
إيمان التجاني
في خطوة أثارت موجة واسعة من الاستنكار، عقدت محكمة مكافحة الإرهاب في بورتسودان أولى جلسات ما يُسمّى بمحاكمة 201 متهمًا، بينهم قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، ورئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك. لم تكن هذه الجلسة مجرد مناسبة قانونية، بل تجسيدًا صارخًا لفشل مؤسسات الدولة في تقديم أي صورة للعدالة، وتحويل القضاء إلى أداة للصراع السياسي.
الملفت أن الجلسة غلب عليها الطابع الغيابي، باستثناء سلطة الأمر الواقع، التي تصرّ على إدارة المشهد بمفردها، في مشهد يفضح هشاشة الشرعية وفقدان الأهلية القانونية والأخلاقية. التهم المعلنة، التي شملت دعم التمرد، وحمل السلاح، وارتكاب جرائم حرب، لم تُدعّم بأدلة شفافة، ولم تُتاح للمتهمين فرصة الدفاع عن أنفسهم، ما حول الجلسة من محاكمة إلى عرض مسرحي يُقدّم للرأي العام كإنجاز قانوني، بينما هو في جوهره محاولة مكشوفة لتسييس العدالة.
القانونيون والناشطون يرون في هذه المحاكمة مثالًا حيًا على الانحدار الأخلاقي للقضاء، حيث تُستغل دماء الضحايا كغطاء لشرعنة الفشل السياسي، بدل أن تكون وسيلة حقيقية لمحاسبة المسؤولين عن الجرائم. فالعدالة، بحكم تعريفها، تتطلب شفافية، تحقيقًا مستقلًا، ومحاكمة عادلة، وليس بيانات رسمية وخطابات افتتاحية بلا تحقيقات حقيقية أو متهمين حاضرون.
الأمر الأكثر خطورة أن هذه المحاكمة تأتي في ظل استمرار الحرب، وانهيار شبه كامل لمؤسسات الدولة، وفشل السلطة في إنتاج حل سياسي. بينما يفترض بالقضاء أن يكون أداة لاحتواء الفوضى، أصبح اليوم أداة لإيهام الداخل والخارج بوجود دولة فاعلة، مع أن الواقع يعكس مؤسسات منهارة وعدالة مسيسة.
إن انعقاد هذه الجلسة الغيابية يطرح سؤالًا مركزيًا: هل نحن أمام عدالة حقيقية أم مجرد مسرحية لإرضاء جمهور غاضب أو لتصفية حسابات سياسية؟ الإجابة تبدو واضحة، فالخطوة لا تخدم الضحايا ولا تحمي المجتمع، بل تعمّق الانقسام وتفرغ مفهوم المساءلة من محتواه، لتصبح المحاكمات مجرد واجهة لتغطية الفشل المؤسسي والسياسي.
وفي ظل غياب أي إصلاح حقيقي للمنظومة العدلية، واستمرار الصراع المسلح، يبدو أن هذه المحاكمة ستدخل التاريخ كفصل جديد في مسرحية طويلة، عنوانها الأبرز: سلطة فاقدة للشرعية والأهلية… تحاكم الغياب، وتتهرب من مواجهة الحقيقة.



