
أبو عبدالله الراشدي
أخطر أشكال الكذب هو الكذب حين يُقدَّم بزيّ الدولة والشرعية
حرب السرديات… والبرهان في موقع المتهم لا الشاهد
ما قاله عبد الفتاح البرهان لوفد الصحفيين الأتراك ليس مجرد تصريحات عابرة، بل محاولة فجة لإعادة صياغة سردية حرب باتت حقائقها مكشوفة للسودانيين ولجزء معتبر من المجتمع الدولي. البرهان لا يتحدث من موقع رجل دولة يسعى لإيقاف نزيف الدم، بل من موقع قائد مأزوم يحاول تبييض حرب لم يكن الشعب طرفاً في قرار إشعالها.
هذه ليست حرب “دولة ضد تمرد”، كما يدّعي، بل حرب جماعة الإخوان المسلمين التي اختطفت الجيش والدولة معاً، واستخدمتهما كأداة لإجهاض الثورة الشعبية ومنع السودان من العبور نحو مشروع مدني مستقل.
البرهان، وهو يهاجم أي “حل يعيد تدوير الدعم السريع”، يتعمد القفز فوق السؤال الجوهري: من الذي دمّر العاصمة؟ من الذي قصف المدن بالطيران؟ من الذي رفض كل المبادرات الإقليمية والدولية لوقف الحرب؟ الإجابة واحدة: قيادة الجيش المختطفة أيديولوجياً، التي فضّلت حرق البلاد على تسليم السلطة للمدنيين.
دول «الدعم» أم دول محور الشر؟
حين يتباهى البرهان بأن صموده كان بفضل دعم تركيا ومصر والسعودية وقطر، فإنه يقدّم، دون أن يدري أو ربما وهو يدري تماماً، لائحة واضحة بدول محور الشر في الأزمة السودانية. هذه ليست دولاً محايدة تسعى للسلام، بل أطراف ذات مصالح مباشرة في بقاء السودان ضعيفاً، تابعاً، ومحرومًا من قراره الوطني المستقل.
مصر، على وجه الخصوص، ليست مجرد “دولة شقيقة” كما يردد البرهان، بل طرف تاريخي في إجهاض أي مشروع وطني سوداني مستقل، وحاضنة لتدخلات سافرة في الشأن السوداني، وراعية دائمة للجيوش الانقلابية. أما تركيا وقطر، فهما حاضنتان سياسيتان وأيديولوجيتان لجماعة الإخوان المسلمين، ومن السذاجة تصديق أن دعمهما للبرهان منفصل عن هذا السياق.
التحالف مع هذه الدول لا يعكس قوة، بل يكشف طبيعة المعسكر الذي يقف فيه البرهان: معسكر مضاد للديمقراطية، معادٍ للثورات الشعبية، ويخشى قيام دولة مدنية سودانية مستقلة أكثر مما يخشى استمرار الحرب.
الجيش المختطف… والحرب التي أشعلها الإسلاميون
الادعاء بأن هذه الحرب فرضتها “قوات الدعم السريع” وحدها لم يعد مقنعاً حتى لشارع بورتسودان. الحقيقة التي يعرفها الجميع أن جماعة الهوس الديني داخل الجيش هي التي دفعت نحو الحرب، لأنها رأت في الانتقال المدني تهديداً وجودياً لمشروعها ولشبكات مصالحها الاقتصادية والعقائدية.
قوات الدعم السريع، بخلاف كل محاولات الشيطنة، تصدّت لمخططات إخضاع السودان لمحور الإخوان–المصري، ورفضت أن تكون جزءاً من إعادة إنتاج دولة المركز القابضة التي قمعت الهامش ونهبت موارده لعقود. هذا لا يجعلها بالضرورة “ملاكاً”، لكنه يفضح كذب الرواية التي يحاول البرهان تسويقها عن “تمرد معزول”.
الحديث عن “إعادة ترتيب الجيش وبنائه” في ظل هذه الحرب ليس سوى خدعة لغوية. أي جيش يُبنى بينما يُقصَف شعبه؟ وأي وطنية تُستعاد بينما القرار مرتهن لعواصم خارجية؟
البرهان… حين يصبح الكذب استراتيجية حكم
أخطر ما في تصريحات البرهان ليس مضمونها، بل الشخص الذي يقولها. البرهان شخصية كذوبة بامتياز، سجله منذ 2019 حافل بنقض العهود، وخيانة المواثيق، والتحايل على الإرادة الشعبية. وعد بتسليم السلطة، فانقلب. تعهّد بحماية الانتقال، فأشعل الحرب. ادّعى الحياد، فانحاز لأكثر التيارات ظلامية في تاريخ السودان الحديث.
محاولته استدعاء تركيا وقطر إلى مسار الوساطة ليست بحثاً عن حل، بل بحثاً عن وسطاء منحازين يضمنون بقاءه وبقاء الجماعة التي تقف خلفه. أما حديثه عن “عدم وجود طرفين” فهو تضليل متعمّد، لأن الطرف الحقيقي المقابل له ليس الدعم السريع فقط، بل الشعب السوداني الذي يرفض حكم العسكر ودولة الإخوان.
السودان أكبر من البرهان ومحاوره
ما يحاول البرهان فعله اليوم هو تغيير سردية حرب خاسرة أخلاقياً وسياسياً، لكن التاريخ لا يُكتب عبر المؤتمرات الصحفية ولا عبر ودّ الأنظمة السلطوية. هذه حرب على الثورة، وحرب على حلم الدولة المدنية، وحرب على استقلال القرار الوطني.
والحقيقة البسيطة التي لا يستطيع البرهان الهروب منها هي:
أن السودان لن يُبنى عبر محور الشر، ولن يُنقَذ بجيش مختطف، ولن ينهض بقيادة رجل اعتاد الكذب أكثر مما اعتاد قول الحقيقة.




