
إيمان التجاني
لم تعد بعض القنوات الإخبارية تكتفي بنقل ما يحدث في السودان، بل تجاوزت ذلك إلى المشاركة الوجدانية والسياسية في الحرب. لم يعد الخبر يُقدَّم بوصفه معلومة، بل بوصفه موقفًا. ولم تعد البيانات العسكرية تُناقَش أو تُفكَّك، بل تُستقبل بالتصفيق، وتُبث كأنها إنجازات وطنية، حتى وإن كذّبها الواقع على الأرض بعد ساعات.
الإعلام، في أبسط تعريفاته، يفترض أن يقف على مسافة واحدة من الأطراف، أو على الأقل أن يحتفظ بمسافة نقدية من القوة المسلحة. لكن ما نراه اليوم هو انهيار كامل لهذه المسافة. حين يُعاد بث بيان عسكري بصيغة الاحتفال، وتُختزل الحرب في لغة “التقدم” و“الانتصار”، بينما المقابر تمتلئ والمدن تُسوّى بالأرض، فإن الشاشة تتحول إلى أداة تعبئة لا منصة معرفة.
الخطير في هذا السلوك أنه لا يُسوَّق بوصفه انحيازًا، بل يُغلّف بلغة مهنية زائفة. يُقدَّم للجمهور كخبر عاجل، بينما هو في حقيقته موقف سياسي مكتمل. يتم تغييب الضحايا، وتهميش المآسي، وحذف الأسئلة الحرجة، لأن وجودها يربك الرواية المراد تمريرها. وهكذا تصبح الحقيقة عبئًا يجب التخلص منه، لا قيمة يُبحث عنها.
الاحتفاء بالبيانات العسكرية ليس حيادًا، وليس حتى انحيازًا معلنًا، بل تواطؤ إعلامي. فالإعلام الذي يكرر خطاب القوة دون مساءلة، يمنحها شرعية رمزية، ويشارك في صناعة الوهم. وحين يُصوَّر الكذب باعتباره حقيقة، تتحول الشاشة من وسيلة نقل إلى وسيلة تضليل.
ما يجعل هذا السقوط فادحًا أن السودانيين أنفسهم لم يعودوا يعتمدون على الإعلام لمعرفة ما يجري. هم يعيشون الحرب لحظة بلحظة، ويرون التناقض الصارخ بين ما يُعرض على الشاشات وما يختبرونه في واقعهم اليومي. لذلك، كل بيان مُحتفى به، وكل “انتصار” مُعلن، يزيد فجوة الثقة بدل أن يردمها.
الإعلام الذي يصفّق مع الجيش لا يفقد حياده فقط، لأنه لم يكن محايدًا في الأصل، بل يفقد ما تبقى من مهنيته. فالمهنية لا تُقاس بالشعارات ولا بتاريخ القناة، بل بكيفية تعاملها مع الدم، ومع الحقيقة، ومع حق الناس في معرفة ما يحدث دون تزييف.
حين تصير الشاشة جزءًا من ضجيج الحرب، لا يعود السؤال: هل هذا إعلام منحاز؟ بل يصبح: كيف نوقف هذا النوع من التضليل؟ لأن الكلمة، حين تنحاز للرصاصة، لا تقل عنها فتكًا.




