رأي

الرقابة البرلمانية: صمام أمان الدولة وحاجزها الأول في مواجهة الفساد

سهيبة مريش

 

 سهيبة مريش

يُعدّ الجهاز الرقابي البرلماني أحد الأعمدة الجوهرية في بناء دولة القانون والمؤسسات، ولا يمكن الحديث عن حكم رشيد أو إدارة عامة فعّالة في غيابه. فالبرلمان، من خلال أدواره التشريعية والرقابية، يشكّل حلقة الوصل الأساسية بين الدولة والمواطن، ويضطلع بمهمة ضبط أداء السلطة التنفيذية وحمايتها من الانزلاق نحو الاستبداد أو الفساد.

وتنبع أهمية الجهاز الرقابي البرلماني من كونه الآلية الدستورية المسؤولة عن سنّ القوانين التي تنظم حياة المواطنين وتكفل حقوقهم، بما يعزز مبدأ سيادة القانون ويمنع تغوّل السلطة. كما تمكّن الرقابة البرلمانية من متابعة أداء الحكومة ومحاسبتها على السياسات العامة، وضمان انسجامها مع الأهداف الوطنية والاحتياجات الحقيقية للمجتمع.

ولا تتوقف أهمية هذا الجهاز عند الإطار القانوني فحسب، بل تمتد لتشمل تعزيز الشفافية والمساءلة، وهما ركيزتان أساسيتان في بناء الثقة بين المواطن والدولة. فحين يدرك المسؤول أنه خاضع للمساءلة البرلمانية، تقلّ احتمالات إساءة استخدام السلطة أو التعدي على المال العام، ويصبح الالتزام بالقانون هو القاعدة لا الاستثناء.

وتشير التجارب الدولية إلى أن الدول التي أولت الجهاز الرقابي البرلماني عناية حقيقية، ومنحته الاستقلال والحرية في أداء مهامه، حققت مستويات أعلى من الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي، واستطاعت جذب الاستثمارات وتحسين مستوى المعيشة. في المقابل، فإن الدول التي همّشت هذا الجهاز أو سيّسته دفعت أثمانًا باهظة، تمثلت في تفشي الفساد، وغياب العدالة، واتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع.

وفي السياق السوداني، لا يمكن تجاهل أن كثيرًا من أزمات البلاد تعود إلى إضعاف الأجهزة الرقابية، وعلى رأسها البرلمان، خلال فترات الحكم السابقة، حيث جُرّدت هذه المؤسسات من صلاحياتها الحقيقية، وتحولت إلى هياكل شكلية بلا فاعلية ولا هيبة. وقد مثّلت تجربة حكومة الإنقاذ نموذجًا صارخًا لتسييس الرقابة وإفراغها من مضمونها، وهو ما أسهم في ترسيخ منظومة فساد واسعة النطاق.

وما تشهده بعض الإدارات المدنية اليوم، لا سيما في ولاية جنوب دارفور، يعكس خطورة تكرار ذات الأخطاء. إذ يبدو واضحًا غياب جهاز رقابي فعّال ينظم عمل الحكومات المحلية ويراقب أداءها، ما أفسح المجال أمام تغليب المصالح الشخصية، وأضعف الاستجابة لقضايا المواطنين وهمومهم، وأدى إلى ممارسات أضرّت بالمصلحة العامة.

ومن هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى أن تتحلى السلطات القائمة، وعلى رأسها حكومة “تأسيس”، بروح المسؤولية الوطنية، عبر إنشاء جهاز رقابي برلماني قوي ومستقل، قادر على سن تشريعات عادلة وفعّالة، ووضع قوانين رادعة لمكافحة الفساد وحماية المال العام، بما يحد من التجاوزات ويعيد الاعتبار لهيبة القانون.

ولتعزيز دور الجهاز الرقابي البرلماني، لا بد من اتخاذ خطوات عملية، من بينها ضمان استقلال البرلمان عن السلطة التنفيذية، وبناء قدرات أعضائه الفنية والتشريعية، وتوفير المعلومات والبيانات اللازمة لممارسة الرقابة بكفاءة، إلى جانب فتح قنوات تواصل حقيقية مع المواطنين لضمان تمثيل مصالحهم بصورة أفضل.

وفي الختام، يبقى الجهاز الرقابي البرلماني حجر الزاوية في أي مشروع جاد لبناء دولة قوية ومستقرة. فالقوانين، مهما بلغت دقتها، لا تؤدي دورها دون رقابة حقيقية، والإنسان بطبيعته قد يميل إلى الطمع أو التجاوز، لكن وجود مؤسسات رقابية فاعلة هو ما ينظم الحياة العامة، ويحمي المجتمع، ويمهّد الطريق نحو تنمية مستدامة وعدالة حقيقية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!