
الغالي مساعد
لم يكن مقال د. الوليد مادبو الذي تناول ما عُرف في الفضاء العام بـ«ثلاثية قرناص» نصًا عن السيرة الشخصية بقدر ما كان تشريحًا لآلية سلطوية معقّدة، استخدمت العلاقات الخاصة، والوظيفة العامة، والدبلوماسية، كقنوات متداخلة لإنتاج النفوذ وحمايته. غير أن القراءة السطحية المتعمدة التي رُوِّجت للمقال حاولت حصره في إطار الفضائح الأخلاقية، بهدف حرف الأنظار عن جوهره الحقيقي: فضح طريقة تفكير دولة الشبكة في إدارة السلطة والمال والوظيفة العامة.
أهمية المقال لا تكمن في الأسماء التي وردت فيه، بل في المنهج الذي كشفه؛ منهج يقوم على ذوبان الحدود بين العام والخاص، وعلى تحويل المواقع السيادية إلى امتدادات لعلاقات الثقة التنظيمية، لا لمؤسسات دولة محكومة بالقانون. في هذا السياق، برز اسم أميرة قرناص لا بوصفها فردًا معزولًا، بل كجزء من سلسلة علاقات ووظائف جرى توظيفها داخل منظومة دبلوماسية أُفرغت من معاييرها المهنية، وأُعيد تشغيلها وفق منطق الولاء والحماية المتبادلة.
ما أشار إليه مادبو، والذي أثار هذا القدر من الهلع داخل دوائر قوى الردة، هو أن الدبلوماسية في دولة الهوس الديني لم تكن أداة تمثيل وطني، بل واجهة لتقاطع المصالح، وتأمين الصمت، وإدارة النفوذ خارج الرقابة. فإعادة بعض الوجوه إلى الخدمة، وترقيتها في لحظات سياسية بعينها، لم تُقرأ في المقال كأحداث إدارية بريئة، بل كدلائل على عودة شبكة قديمة للعمل فور تغيّر موازين القوة بعد انقلاب أكتوبر.
الهجوم على مقال مادبو، ومحاولة جرّه إلى ساحات التشهير القانوني خارج السودان، لم يكن دفاعًا عن “سمعة شخصية”، بل كان رسالة ردع لكل من يحاول قراءة الفساد بوصفه بنية لا حادثة، ونظامًا لا خطأً فرديًا. لقد أزعج المقال الشبكة لأنه أعاد ربط ما فُصل عمدًا: الزواج بالوظيفة، والعلاقة الخاصة بالموقع العام، والدبلوماسية بالاقتصاد السياسي للتمكين.
في هذا الإطار، تصبح أميرة قرناص رمزًا لوظيفة داخل منظومة، لا موضوعًا للفضول الأخلاقي. رمزًا لكيف تُدار الدولة حين تُختطف، وكيف تُستخدم المواقع العامة لتثبيت شبكات الحماية، وكيف يُعاد تدوير الوجوه ذاتها كلما أُجهض مسار تفكيك التمكين. ولذلك، فإن تحويل النقاش إلى “قضية أخلاقية” لم يكن سوى محاولة لإخفاء السؤال الحقيقي الذي طرحه المقال: من يملك الدولة؟ وكيف تُدار؟ ولصالح من؟
إن قراءة مقال مادبو خارج هذا السياق البنيوي تُعد مشاركة عن قصد أو دون قصد في عملية التضليل التي أتقنتها جماعات الهوس الديني منذ انقلابها الأول: شيطنة الفكرة عبر تشويه حاملها، وتفريغ النقد السياسي من محتواه بتحويله إلى ضجيج أخلاقي. لكن ما كُتب قد كُتب، وما كُشف لا يمكن إعادته إلى الظل، لأن المقال مهما اختلفت الآراء حول أسلوبه وضع يده على جرح عميق في جسد الدولة السودانية، جرح اسمه دولة الشبكة، لا دولة القانون.



