
أبو عبدالله الراشدي
ليست المأساة في ظلم الجار، بل في تطبيعه حتى يبدو قدرًا لا يُرد
سؤال الخير الذي يمكن أن تقدّمه مصر للسودان يبدو، في الوعي السوداني المتراكم بالألم، سؤالاً مُثقلًا بالمرارة قبل أن يكون استفسارًا سياسيًا. فالتاريخ القريب، كما يراه كثيرون، لا يقدّم شواهد على شراكة عادلة بقدر ما يعرض سلسلة طويلة من سياسات الإخضاع الناعم والخشن، حيث جرى التعامل مع السودان كحديقة خلفية، ومع جيشه كحارسٍ لمصالحٍ لا تعترف بإرادة شعبه.
مصر الرسمية، في نظر قطاعات واسعة من السودانيين، تجاوزت سوء الظن إلى ممارسة ممنهجة للهيمنة: نهبٌ للمقدرات، وتكريسٌ لاتفاقيات مياه نيل وُصفت بالجائرة والمجحفة، صيغت بميزان مختلّ يراعي تفوّق طرف واحد على حساب حق الآخر في الحياة والتنمية. لم تكن هذه الاتفاقيات مجرد أوراق، بل قيدًا سياسيًا واقتصاديًا لازم الدولة السودانية لعقود.
الأدهى من ذلك أن القاهرة، بدل أن تنحاز لمطلبٍ طبيعي يتمثل في حكمٍ مدنيّ يعكس إرادة السودانيين، اختارت دعم العسكر ضد المدنيين، لا حبًا في الاستقرار كما تُروّج، بل حفاظًا على سيطرتها على مفاصل القرار عبر مؤسسة عسكرية مخترقة الإرادة. وهكذا صار الانقلاب خيارًا مفضّلًا، وصارت الديمقراطية خطرًا ينبغي احتواؤه.
لم تقف السياسات عند هذا الحد، بل امتدّت إلى التآمر المستمر: صناعة صراعات، إذكاء فتن، وتغذية حروب بالوكالة، ثم التفرّج على الخراب بوصفه نتيجة «حتمية» لبلدٍ يُراد له أن يبقى ضعيفًا. في هذا السياق، لا تبدو الإجراءات التعسفية بحق السودانيين في مصر مفاجئة؛ فحين يُنظر إلى شعبٍ كامل باعتباره تابعًا، يصبح التضييق عليه أمرًا اعتياديًا، حتى لو لم يكن «لاجئًا» بالمعنى الحرفي للكلمة.
ومع ذلك، فإن السؤال لا يجب أن ينتهي عند الإدانة وحدها. الخير الممكن—إن أرادته مصر—واضح وبسيط: احترام سيادة السودان، دعم الانتقال المدني لا إعاقته، إعادة النظر في اتفاقيات النيل بروح العدالة، وفتح صفحة شراكة حقيقية تقوم على الندية لا الوصاية. الخير ليس منّة، بل التزامٌ أخلاقي وسياسي بين جارين تجمعهما الجغرافيا ويُفترض أن تجمعهما المصالح المشتركة.
لكن ما لم يحدث هذا التحوّل الجذري، سيظل السؤال قائمًا، وستظل الإجابة—للأسف—محاطةً بشكٍ مشروع: لا خير يُرتجى من سياسة لا ترى في السودان سوى ظلٍّ لمصر، ولا في شعبه سوى عبءٍ يجب ضبطه، لا شريكًا يجب احترامه.




