
د . حافظ إبراهيم عبدالنبي
لم يعد «درب الدموع» ذكرى بعيدة من تاريخٍ آخر، بل صار واقعًا معاصرًا يُكتب اليوم بوجوهٍ سودانية، وأقدامٍ تُساق قسرًا، وقلوبٍ تُدفع من الخوف إلى المجهول.
ففي هذه الأيام، يتعرّض سودانيون فرّوا من أتون الحرب إلى الترحيل القسري من جمهورية مصر العربية إلى السودان، دون منحهم أي فرصة حقيقية للحماية، أو اللجوء، أو حتى سماع قصصهم.
هؤلاء ليسوا مهاجرين اختاروا الرحيل بحثًا عن رفاه، بل لاجئون فرّوا لأن البقاء كان مستحيلًا: من القصف، والانتهاكات الجسيمة، وانهيار مؤسسات الدولة، وتفكك الأمن. ومع ذلك، يُعادون اليوم إلى وطنٍ لا يزال ساحة حرب، وكأن النجاة أصبحت جريمة، وكأن الهروب من الموت يستوجب العقاب.
لاجئون بلا فرصة
ما يضاعف المأساة أن عمليات الترحيل تتم دون أي إجراءات عادلة أو شفافة:
لا مقابلات لجوء، لا تقييم فردي للمخاطر، لا مراعاة لأوضاع النساء والأطفال والمرضى، ولا اعتبار لحقيقة أن السودان، في وضعه الراهن، غير آمن للعودة.
إنها إعادة قسرية مكتملة الأركان، تُنفَّذ بسرعة، وتُغلَق معها كل الأبواب أمام الحق في الحماية.
المسؤولية الأخلاقية لسلطة الأمر الواقع
الأخطر أن هذه الإعادة القسرية لا تجري في فراغ، بل بأوامر مباشرة أو بموافقة صريحة من سلطة الأمر الواقع المتمركزة في بورتسودان، التي اختارت أن تتعامل مع مواطنيها الفارّين من الحرب كملف أمني يجب إغلاقه، لا كضحايا نزاع يستحقون الحماية.
إن هذه السلطة تتحمّل المسؤولية الأخلاقية والإنسانية كاملة عن كل إنسان يُعاد قسرًا إلى الخطر، وعن كل طفل يُساق إلى المجهول، وعن كل امرأة تُسلَّم مجددًا لدائرة العنف.
فلا سيادة تُبرّر إعادة إنسان إلى الحرب، ولا ذريعة إدارية يمكن أن تُخفي حقيقة أن الدولة حين تعيد مواطنيها إلى الموت، تكون قد انقلبت على واجبها الأول: الحماية.
القانون حين يفقد روحه
ما يحدث اليوم ليس مجرد إخلال بالإجراءات، بل تفريغ متعمّد لمبادئ القانون الدولي من مضمونها الإنساني، وعلى رأسها مبدأ عدم الإعادة القسرية.
إن إعادة لاجئ إلى بلد يشهد نزاعًا مسلحًا وانتهاكات واسعة ليست “عودة”، بل تعريض مباشر للحياة للخطر، ومسؤولية لا تسقط بالتقادم، ولا تُمحى بالبيانات.
درب دموع سوداني
كما سار السكان الأصليون يومًا على دربٍ امتلأ بالجوع والموت،
يسير السودانيون اليوم على درب دموعٍ حديث:
دموع الأمهات عند لحظة الترحيل،
وخوف الأطفال الذين لا يفهمون لماذا يُعادون إلى الرعب،
وانكسار الرجال الذين خسروا الوطن مرتين: مرة بالحرب، ومرة بالإعادة القسرية.
الفرق الوحيد أن هذه المأساة تُرتكب في عصر المواثيق الدولية، وأمام أعين العالم.
مناشدة عاجلة
من هنا، نتوجّه بمناشدة عاجلة إلى منظمات حقوق الإنسان، وإلى الأمم المتحدة، وكافة آليات الحماية الدولية، من أجل:
• وقف فوري لعمليات الترحيل القسري
• ضمان الحق في اللجوء والحماية المؤقتة
• فتح تحقيق مستقل وشفاف في وقائع الإعادة القسرية
• محاسبة الجهات المسؤولة عن تعريض المدنيين للخطر
إن الصمت على هذه الانتهاكات ليس حيادًا، بل مشاركة غير مباشرة في إعادة إنتاج المأساة.
كلمة أخيرة
دروب الدموع لا تختفي بتغيّر الأزمنة، بل تتجدّد حين يُتَّخذ القرار ضد الإنسان.
وحين يُكتب هذا الفصل من التاريخ، لن يُسأل اللاجئون لماذا غادروا،
بل ستُسأل السلطات: لماذا أعدتموهم إلى الحرب؟
31 يناير 2026




