رأي

تجذير السلام في التربة المجروحة نحو مشروع مجتمعي داعم لحكومة السلام في دارفور وكردفان

كاربينو

في قلب الجراح التي لا تزال تنزف تقف مجتمعات دارفور وكردفان شاهدة على تاريخ ممتد من الألم والخذلان والتشظي، ولكنها أيضاً تختزن طاقات جبارة للبناء والنهوض إن أُحسِن الإصغاء لها الحرب التي مرت لم تكن صدفة ولا سطحية ؛ إنها ضربت الجذور وزعزعت المعاني، وأفرغت الروح من معاني الطمأنينة، ولذا فإن إسقاط السلام كمرسوم فوقي لا يكفي بل لا ينجح، ما لم يُزرع السلام في صدور الناس أولاً، ويُستنبت من داخلهم، بتفاعلهم، بذاكرتهم وبقدرتهم على التوافق من جديد.

إن الحديث عن دعم حكومة السلام في هذه المناطق لا ينبغي أن يكون خطاباً نخبوياً ينحصر في الورشات المغلقة أو البيانات الرسمية، السلام في دارفور وكردفان يحتاج إلى مشروع مجتمعي واسع النطاق، يبدأ من القاعدة ويصعد إلى القمة لا العكس، مدخل ذلك هو الحوار المجتمعي الشامل، الذي يعيد للناس ثقتهم في بعضهم أولاً، ثم في جدوى العمل الجماعي ثانياً، وفي مشروع الدولة ثالثاً، البداية لا تحتاج صخباً إعلامياً ولا زينة شكلية؛ بل تحتاج فقط إلى صدق المبادرة و لقاءات صالونية صغيرة تُعقد في البيوت، في الساحات، في المساجد، في النوادي، بين شيوخ الإدارات الأهلية، ورموز المجتمع، والمثقفين، والسياسيين، والشباب، لتفكيك أسباب الشقاق، وتشخيص الواقع وطرح الأسئلة المؤجلة، من تلك اللقاءات تتوسع الدائرة إلى منتديات أوسع، ثم مجموعات منظمة، ثم كيانات تمثل القطاعات الفاعلة، ثم هيئات مجتمعية تشرك الجميع الأئمة، والأساتذة، والأطباء، والتجار، والرياضيين، والنقابيين، وروابط المرأة والشباب و هكذا فقط يتحول المجتمع إلى كيان فاعل لا متلق مبادر لا تابع.

ليس المطلوب نسيان ما حدث ولا القفز على الندوب العميقة التي خلفتها الحرب، بل التعامل مع الذاكرة كأداة للفهم، والاعتراف، وإعادة التشكيل، الوجع الذي لا يُسمع يتحول إلى عنف مؤجل، لذلك يجب أن تكون جلسات الحوار منابر آمنة للتعبير عن الألم بصدق، دون تهويل أو تبرير، بل بحس مسؤول يفتح أفق المستقبل ، ومن ثم يبدأ الطواف على الناس في الأسواق، في الميادين، في الفرقان، في الأحياء، في المدارس والمراكز الصحية، في ساحات الرعي والزراعة، للاستماع الحقيقي، والتدوين الجاد لكل ما يُقال، حتى أكثره حدة ومرارة، هذا السيل من الملاحظات والآراء لا يضيع، بل يُجمع، ويُفلتر عبر سكرتارية مؤهلة، تتحرى النقاء، وتبحث عن المشترك، وتصوغ من الانقاض مشروعاً قابلاً للحياة، مشروع لا ينتهي عند حدود الورقة بل يُعرض، ويُراجع، ويُمتلك، وتُفتح له نوافذ تواصل في كل حي، ومؤسسة، ومرفق، بحيث يتحول إلى نبض مجتمعي دائم لا لحظة طارئة.

رجالات الإدارة الأهلية والرموز التقليدية، إن أُعيد تأهيلهم ليكونوا وسطاء سلام لا أدوات نفوذ سلطوي، فإنهم سيكونون أعمدة رئيسة لهذا المشروع، لكن الزعامة اليوم لم تعد تُمنح فقط بالوراثة أو العُرف، بل بالكفاءة، والحكمة، والقدرة على بناء جسور التواصل بين الأجيال، وبين الدولة والمجتمع، وبين المختلفين في الرؤية والموقع، والنساء هن أكثر من دفع ثمن الحرب بصمت، وهن كذلك القادرات على نسج خيوط الحياة من جديد، أما الشباب فبين أيديهم كل الطاقات غير المستغلة، لهذا لا بد من إفساح المجال لقيادات نسوية وشبابية تتحدث باسم مجتمعاتها لا فقط باسم أجندات خارجية أو تحزبات ضيقة.

السلام ليس فقط وقفاً لإطلاق النار أو اتفاقاً بين نخب سياسية، بل هو مشروع أخلاقي يعيد تأسيس العلاقة بين المواطن والدولة، وبين الفرد والمجتمع، وبين المكونات المتباينة، ولهذا فإن كل حوار لا يرتكز على مبادئ الاعتراف والعدالة والتسامح سيتحول إلى هدنة مؤقتة لا إلى سلام مستدام ، ومن الأخطاء المتكررة في تجارب الانتقال السابقة أن الحوار يُختطف من قبل واجهات جاهزة تُختار من فوق، لا من واقع المجتمع الحقيقي، ما نحتاجه هو تمثيل عضوي ينبع من الأرض، يتشكل من الناس الذين عاشوا التجربة، لا من الذين قرؤوا عنها فقط ، وفكرة فتح نوافذ تواصل في كل حي أو مؤسسة يجب أن تتسع لتشمل المدارس، والمراكز الصحية، وأندية الشباب، وحتى الأسواق ومواقف الباصات ، كل مكان فيه بشر يمكن أن يصبح منصة للحوار وموقعاً لزرع بذور المصالحة.

ليس كافياً كتابة رؤية نهائية حول المصالحة المجتمعية، بل لا بد من ضمان أن يملكها الناس نفسياً ، ويشعروا بأنها تعبر عنهم، لا تُفرض عليهم، لذلك فإن الصياغة يجب أن تكون جماعية قدر الإمكان والمراجعة مفتوحة، والاعتماد النهائي شعبي، لا فقط نخبوي أو حكومي ، إن الغاية من كل هذا ليست فقط صياغة وثيقة، بل بناء أرضية جديدة للتماسك، تبدأ من الاعتراف المتبادل تمر بالمصارحة، وتصل إلى الاعتذار والتسامح والتعافي الجماعي ، ما لم نوقف طريق الدماء لن تُفتح دروب الحياة ، وما لم نقبل ببعضنا رغم اختلافاتنا، سيبتلعنا الشك والكراهية مرة أخرى، لا مجال لاستدامة سلام فوق أطلال الكراهية، ولا مستقبل لوطن يقف على أرض متشققة ، إننا مطالبون اليوم بمغادرة مناطق الظل والنظر في عيون بعضنا، والقول بصدق نعم نستطيع أن نبدأ من جديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!