رأي

حين تتحوّل المشاريع إلى أشخاص: المأسسة كشرط للخلاص من أتوقراطية جديدة

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

الدولة لا تُبنى بالنوايا الحسنة، بل بالقواعد التي تقيّد أصحاب النوايا الحسنة والسيئة معاً

المأسسة ليست ترفاً إدارياً ولا تفصيلاً تقنياً يمكن تأجيله إلى «ما بعد الانتصار» أو «ما بعد استلام السلطة»، بل هي جوهر الفكرة السياسية الحديثة، وشرطها الأخلاقي قبل أن تكون شرطها التنظيمي. فحيثما غابت المأسسة، حضرت الشخصنة، وحيثما حضرت الشخصنة، وُلد الاستبداد ولو ارتدى أكثر الشعارات تقدّميةً وعدلاً.

تعني المأسسة، في أبسط تعريفاتها، القدرة على إدارة الخطط والرؤى عبر هياكل واضحة، ولوائح مُلزِمة، وتوزيعٍ عقلاني للصلاحيات، بما يقلّص مساحة الأخطاء الفردية ويمنع تركز السلطة في يد شخص أو مجموعة ضيقة. غياب هذا البناء المؤسسي لا يؤدي فقط إلى الفوضى، بل يفتح الباب أمام مركزية قابضة وخانقة، تُعطِّل أهداف المشروع وتحرفه عن غاياته الأولى.

الخطر الحقيقي في غياب المأسسة لا يكمن فقط في الفشل الإداري، بل في التحول النفسي والسياسي للقائمين على المشروع. إذ سرعان ما يتحول «المناضل» إلى وصي، و«القيادي» إلى مرجعية مطلقة، و«الحرص على القضية» إلى مبرر للإقصاء والدكتاتورية. المفارقة المؤلمة أن الدكتاتور، في هذه الحالة، لا يرى نفسه مستبداً، بل يعتقد  بصدق أحياناً  أنه الأحرص على المشروع، والأدرى بمصالح الآخرين، بل وحتى بمصالح الشعوب نفسها.

هذا الخلل يتجلى اليوم، بشكل لافت ومقلق، في تجربة تحالف السودان التأسيسي، حيث يبدو الهروب من المأسسة خياراً ضمنياً، إن لم يكن واعياً. فبدلاً من الاستثمار في بناء مؤسسات قوية وقواعد شفافة لصنع القرار، ينصرف التفكير إلى صناعة السلطة ذاتها، وكأن امتلاك السلطة يسبق  أو يغني عن  بناء مؤسساتها. وهذا خطأ جوهري، لأن السلطة بلا مؤسسات ليست سوى إعادة إنتاج للاستبداد بأسماء جديدة.

الأخطر من ذلك، أننا ننتقد  بحق طرق تفكير «دولة وكلاء الاستعمار» ونحملها مسؤولية التشوهات البنيوية للدولة السودانية، بينما نفكر ونعمل بذات الأدوات الذهنية لـ«دولة 1956»؛ دولة النخب، والصفقات المغلقة، والقرارات التي تُطبخ في الغرف الضيقة ثم تُقدَّم للرأي العام كقدرٍ محتوم. لا يمكن إحداث تغيير حقيقي بأدوات التفكير ذاتها التي صنعت الأزمة.

إن التحذير من الانزلاق نحو أوتوقراطية جديدة ليس نبوءة سوداوية، بل قراءة عقلانية لمسار يتكرر تاريخياً: ثورات بلا مؤسسات، فتحالفات بلا لوائح، ثم سلطة تتركز في أيدٍ قليلة، وتنتهي بإقصاء المختلف، وتأبيد النفوذ، وخنق أي نقد باسم «حماية المشروع».

في المقابل، فإن إعمال المؤسسية يحمل فوائد لا تُقدَّر بثمن. فهي توزع السلطة ولا تختزلها، وتخلق آليات للمساءلة لا تعتمد على أخلاق الأفراد بل على القواعد، وتحمي المشروع من نزوات القائمين عليه كما تحمي القائمين عليه من أنفسهم. المؤسسية لا تُضعف القيادة، بل تجعلها جماعية، قابلة للتصحيح، ومحصّنة ضد التحلل إلى طغيان.

المأسسة هي الضمانة الوحيدة لأن يبقى المشروع أكبر من الأشخاص، ولأن لا تتحول الأحلام الجماعية إلى ملكيات خاصة. ومن دونها، سنظل ندور في الحلقة الجهنمية ذاتها: إسقاط استبداد لنُنتج آخر، وتغيير وجوه لنُبقي الجوهر.

الخلاصة بسيطة وقاسية في آن واحد: من يهرب من المأسسة اليوم، يزرع بذرة الدكتاتورية الغد، حتى لو أقسم أنه جاء ليقتلعها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!