رأي

حكومة التأسيس تعين وزراء في ظل غياب البدائل

مها طبيق

 

 مها طبيق 

أثارت التعيينات الأخيرة التي أعلنها رئيس وزراء حكومة «التأسيس» محمد حسن التعايشي وعلى رأسها تعيين وزير للنفط والطاقة جدلًا واسعًا حول المشروعية والتوقيت والجدوى . غير أن هذا الجدل ، على أهميته ، لا يمكن فصله عن سؤال أعمق وأكثر إلحاحًا هو ما البديل الواقعي المطروح اليوم لإنهاء الأزمة السودانية ؟

تعيين وزير النفط بتقديم السياسة قبل الإدارة يعني الإمساك الرمزي بمفتاح الموارد بوصفه مدخلًا للشرعية الاقتصادية ، لذلك جاء اختيار قطاع النفط في هذه المرحلة كخطوة سياسية بامتياز ، حيث تستهدف تثبيت صورة سلطة تسعى للانتقال من منطق الحرب إلى منطق الدولة .

كذلك تعني هذه الخطوة توجيه رسالة للخارج بأن ثمة كيانًا يسعى لإدارة الاقتصاد لا الاكتفاء بالسيطرة العسكرية .

غير أن هذا التعيين يظل عالي المخاطر تنفيذيًا في ظل غياب السيطرة الفعلية على البنية التحتية النفطية ، وانعدام الاعتراف الدولي الذي يتيح التعاقد والتصدير .وهشاشة القدرة المؤسسية على إدارة مورد سيادي معقد . فالخطر المركزي هنا أن يتحول المنصب إلى وظيفة سياسية رمزية أكثر منه موقعًا تنفيذيًا قادرًا على إحداث أثر فعلي .

تعيين وزراء للتعليم وقطاعات خدمية أخرى يندرج ضمن محاولة استكمال صورة الدولة وقدرتها على تقديم الخدمات كأداة لتهدئة المجتمعات وكسب الثقة داخل مناطق النفوذ . لكن هذه الخطوات تظل فارغة الأثر ما لم تُربط بخطط تشغيل واقعية ، وموازنات شفافة ، ومؤشرات أداء قابلة للقياس . فالدولة تُبنى بالقدرة على التنفيذ لا بمجرد التسميات .

لماذا لا يوجد مخرج آخر ؟

بعيدًا عن المواقف الأخلاقية والاصطفافات السياسية ، تشير الوقائع إلى حقيقة صلبة حيث لا يوجد اليوم مسار متحرك لإنهاء الأزمة السودانية خارج إطار حكومة التأسيس . فالدولة المركزية بصيغتها السابقة انهارت ، وفقدت السيطرة والشرعية ، كما أن المسارات الدولية أخفقت في إنتاج حل ، واكتفت بإدارة النزاع لا حله ، أضف إلى أن القوى المدنية التقليدية منقسمة ، بلا قيادة تنفيذية أو حضور ميداني ، وأسيرة خطاب ما قبل الحرب ، لذلك فإن الحديث عن «بديل جاهز» لا يستند إلى واقع سياسي أو ميداني ، تظل مجرد رغبة غير مسنودة بالأدوات ، ولا تحقق شئ ولا تعني شئ .

حكومة التأسيس أصبحت كخيار اضطراري لا مثالي في هذا الفراغ ، وبرزت بوصفها خيار الأمر الواقع حيث تمتلك قوة على الأرض وتسعى لبناء هيكل حكم وتطرح خطاب «إعادة التأسيس» بدل ترميم دولة منهارة . لكنها ، في المقابل ، ليست حلًا مضمونًا ، وقد تنزلق سريعًا إلى نسخة جديدة من سلطة بلا مؤسسات إذا لم تُضبط بشروط واضحة .

لكي تتحول حكومة التأسيس من مقامرة سياسية إلى مخرج قابل للاستدامة ، لا بد من الاعتراف الصريح بأنها مرحلة انتقالية لا دولة مكتملة وفتح المجال لمشاركة مدنية حقيقية ، بعيدا عن الواجهات الشكلية ، والقبول بآليات مساءلة صارمة وشفافية كاملة في إدارة الموارد ، والشروع في فصل تدريجي بين العسكري وإدارة الدولة .

السودان اليوم يقف أمام اختيار قاسٍ بين استمرار حرب مفتوحة بلا أفق ، أو محاولة تأسيس دولة من تحت الأنقاض ، بكل تناقضاتها ومخاطرها . فحكومة التأسيس ليست وعدًا بالخلاص ، لكنها حتى اللحظة المسار الوحيد الذي يتحرك ، فيما بقية المسارات الأخرى متوقفة أو فقدت صلاحيتها السياسية .

مها الهادي طبيق 

1 فبراير 2026

mahatebig@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!