
بروفيسور/ سيف الدين عبد الرحمن
يدخل السودان شهر فبراير 2026 وهو محاط بثقل سياسي نادر الحدوث؛ مصر تترأس مجلس السلم والأمن الإفريقي، وبريطانيا تمسك برئاسة مجلس الأمن الدولي، بينما تتحرك الآلية الرباعية في المسافة بين المؤسستين. في السياسة الدولية، لا تتكرر مثل هذه اللحظات كثيرًا، لكنها حين تحدث لا تعني بالضرورة اقتراب الحل، بل غالبًا تعني انتقال الأزمة إلى مستوى أكثر تعقيدًا من الإدارة.
رئاسة مصر لمجلس السلم والأمن، منذ الأول من فبراير، تمنح القاهرة القدرة على ضبط الإيقاع الإفريقي للملف السوداني. هنا لا تُحسم الحرب، و لكن تبرز تساؤلات، هل الحرب صراع داخلي؟ أم انهيار دولة؟ أم تهديد إقليمي؟ هذه أسئلة سياسية بامتياز. المقاربة المصرية، كما عُرفت عنها منذ اندلاع الحرب، تضع الاستقرار و امن مصر القومي قبل التحول المدني في السودان، وتحفظ مسافة واضحة من أي مسار قد يفضي إلى تفكيك المؤسسة العسكرية أو تدويل الصراع. بهذا المعنى، يمكن لمصر أن تسوق المنظمة الإفريقية إلى توفير مظلة سياسية للطرف الذي يقدّم نفسه حارسًا للدولة، أي الجيش، وتخفف عنه ضغط العزلة الإقليمية، دون أن تذهب إلى حد الحسم أو الإدانة الصريحة.
في المقابل، تأتي رئاسة بريطانيا لمجلس الأمن خلال الشهر نفسه محمّلة بلغة إنسانية وقانونية أعلى نبرة. مجلس الأمن هو ساحة الضغط، لكنه ليس ساحة القرار النهائي. بريطانيا تستطيع رفع صوت المدنيين، وتسليط الضوء على الكارثة الإنسانية، وإعادة السودان إلى واجهة الاهتمام الدولي، لكنها تظل مقيدة بتوازنات القوى الكبرى الفاعلة. هنا يصبح أقصى ما يمكن أن تفعله بريطانيا هو إدارة الازمة لا معالجة جذورها، و الضغط الأخلاقي لا التحول السياسي المدني.
بين هذين المسارين، تتحرك الآلية الرباعية بوصفها الأداة الأكثر واقعية في نظر الفاعلين الدوليين. فهي تستفيد من الغطاء الإفريقي الذي توفره رئاسة مصر، ومن الغطاء الدولي الذي تمنحه رئاسة بريطانيا لمجلس الامن، لتقديم نفسها كقناة تفاوض مرنة، قادرة على جمع وقف إطلاق النار، و المساعدات الإنسانية، و مسار سياسي محدود السقف. ففرص الرباعية في هذا التوقيت تبدو أكبر، لكنها فرص لتسوية مؤقتة لا لتغيير جذري. بهذا الفهم فهي فرصة لتدوير الأزمة أكثر من كونها سانحة لحلها.
المستفيد الأكبر من هذا المشهد هم أطراف الحرب المسلحة، التي تجد نفسها أمام ضغوط محسوبة لا تصل إلى حد كسر التوازن. أما القوى المدنية، فتكسب تعاطفًا دوليًا دون أدوات تنفيذ، وتُستدعى في الغالب كشاهد سياسي لا كشريك و صانع قرار. و هكذا يُعاد إنتاج المعادلة ذاتها، حرب تُدار بعناية من بعد، و سلام يُؤجَّل و معاناة مواطن تزداد يوماً بعد يوم.
في فبراير هذا العام، سيكون السودان حاضرًا بقوة في أديس أبابا و نيويورك، لكنه سيظل غائبًا عن مركز القرار الحقيقي. المشكلة ليست في من يترأس أي المجلسين، بل في أن حرب السودان تحول إلى ملف دولي منفرط، يُراد له أن يهدأ لا أن ينتهي في واقع أصبح فيه دماء السودانيين أرخص من مصالح الفاعليين. وهذا أخطر ما في الأمر.




