
سهيبة مريش
يمر السودان بمرحلة تاريخية مفصلية، تتقاطع فيها تطلعات التغيير العميق مع إرث سياسي ثقيل أعاق مسيرة الدولة وأضعف بنيتها منذ الاستقلال. ولم يعد خافيًا أن أي انتقال حقيقي نحو نظام ديمقراطي مستدام لا يمكن أن يتحقق عبر المبادرات الجزئية أو الحلول المؤقتة، بل يتطلب تضافرًا واعيًا للجهود، وعملًا سياسيًا جادًا، وإرادة جماعية قادرة على تهيئة المناخ والمضمار السياسي لاستيعاب التنوع الاجتماعي والثقافي الواسع الذي يميز السودان.
إن الأزمة السودانية في جوهرها ليست فقط أزمة سلطة، بل أزمة نموذج حكم. فقد هيمنت على البلاد لعقود بنية نخبويّة مركزية احتكرت القرار السياسي والثروة، وأقصت قطاعات واسعة من المواطنين، خصوصًا في مناطق الهامش. هذا الإقصاء المنهجي لم ينتج فقط مظالم اجتماعية، بل أسهم بصورة مباشرة في تفجير الصراعات المسلحة التي استنزفت مقدرات البلاد وهددت وحدتها. وعليه، فإن أي حديث جاد عن التحول الديمقراطي يجب أن ينطلق من تفكيك هذه البنية المختلّة، والاعتراف بأن بناء دولة حديثة لا يتم إلا عبر الشمول والعدالة وتكافؤ الفرص.
إن إنزال التحول الديمقراطي إلى أرض الواقع يتطلب تجاوز منطق الشعارات إلى ممارسة سياسية مسؤولة، ترتكز على محاور أساسية واضحة. أول هذه المحاور هو بناء الثقة بين الفاعلين السياسيين، وهي مسألة لا تتحقق دون مراجعة صادقة للتجارب السابقة، والاعتراف بالأخطاء، وتقديم ضمانات عملية بعدم تكرارها. لقد أثبتت التجارب الانتقالية الفاشلة أن غياب الثقة والتنافس الصفري كانا من أبرز أسباب الانهيار.
أما المحور الثاني فيتمثل في الاتفاق على المبادئ العليا التي تحكم المرحلة الانتقالية وما بعدها. ويشمل ذلك قضايا تقاسم السلطة والثروة، وشكل العلاقة بين المركز والأقاليم، وقضايا العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية. ولا يمكن بلورة هذه المبادئ بمعزل عن حوار وطني شامل يضم الشباب، والنساء، وقوى المجتمع المدني، والكوادر المهنية، وقوى الهامش، بوصفهم أصحاب مصلحة حقيقيين وخزانًا للرؤى والحلول المستدامة التي ظلت مغيبة عن مراكز القرار.
ويأتي تهيئة المناخ والمضمار السياسي كمحور ثالث لا يقل أهمية. فالديمقراطية لا يمكن أن تنمو في بيئة يسودها القمع أو الخوف أو هيمنة مؤسسات غير خاضعة للمساءلة. ويتطلب ذلك إصلاحًا مؤسسيًا شاملًا، يبدأ بتفكيك بنى الدولة العميقة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس الحياد والكفاءة وسيادة القانون، بما في ذلك إصلاح القطاعين الأمني والقضائي، وضمان الحريات العامة وحق التنظيم والعمل السياسي السلمي.
إن تحقيق السلام الدائم في السودان يظل مرهونًا بنجاح هذا المسار. فالسلام لا يعني فقط إسكات السلاح، بل معالجة جذور الصراع عبر العدالة التوزيعية والتنمية المتوازنة والاعتراف بالتنوع. عندما يشعر مواطنو الهامش بأنهم شركاء حقيقيون في الدولة، وأن حقوقهم السياسية والاقتصادية مصانة، يصبح السلام خيارًا واقعيًا لا شعارًا عابرًا.
وفي ظل الحرب الدائرة اليوم، وما تقدمه شعوب الهامش من تضحيات جسيمة، تبرز الحاجة الملحّة إلى مشروع سياسي جامع، قادر على مواكبة التحولات الكبيرة التي شهدها المشهد السوداني منذ اندلاع الحرب. فاللحظة الراهنة تضع السودانيين، وخاصة قوى الهامش، أمام اختبار مصيري: إما التوحد خلف رؤية وطنية جامعة تُفشل إعادة إنتاج الحكم النخبوي، أو الاستمرار في دوائر التشرذم التي تخدم خصوم التغيير.
ختامًا، فإن الوصول إلى ديمقراطية حقيقية في السودان ليس مسارًا سهلًا، لكنه ممكن إذا توفرت الإرادة السياسية والشجاعة الأخلاقية لتجاوز الماضي. إن توحيد الجهود، وإشراك الكوادر المهمشة، وبناء عقد اجتماعي جديد قائم على العدل والمساواة، هو الطريق الأوحد لإنهاء الأزمة السودانية المزمنة وبناء دولة تحترم مواطنيها وتحقق تطلعاتهم في السلام والتنمية




