لَنْ تَنْجَحَ الْهُدْنَةُ مَعَ إِسْلَامِيِّي السُّودَانِ، وَالتَّمَادِي فِي حِنْثِ الْعُهُودِ
د.خالد عبيد ،،، لندن

د. خالد عبيد لندن
في سياق الحروب المعاصرة، حيث تُدار النزاعات بعقلٍ صلدٍ لا يلتفت إلا لموازين القوة، تبدو الهدنة الإنسانية كفكرة أخلاقية سامية تصطدم، منذ ولادتها، بجدار الواقع. فهي إجراء مؤقت يُراد له أن يخفف وطأة العنف، وأن يتيح للمدنيين نافذة ضيقة للحياة، غير أنها كثيرًا ما تُستنزف قبل أن تؤتي ثمارها، حين تُدار بذات الذهنية التي تُدار بها المعارك. وفي الحالة السودانية، يتجاوز الأمر حدود الإخفاق العرضي ليغدو نمطًا متكررًا، تفرضه بنية سياسية وعسكرية لا ترى في الهدنة التزامًا أخلاقيًا، بل فرصة للمناورة وكسب الوقت.
فالهدنة الإنسانية، في أصل معناها، ليست امتدادًا للصراع بوسائل أخرى، ولا وقفًا تكتيكيًا لإعادة التموضع، بل اعتراف صريح بأن للحرب سقفًا أخلاقيًا لا يجوز تجاوزه. غير أن هذا السقف يتهاوى حين تُستباح العهود، وحين يُعاد تعريف الالتزام بوصفه خيارًا مرنًا لا واجبًا ملزمًا. وهنا تكمن المعضلة: إذ تصبح الهدنة خطابًا للاستهلاك السياسي، لا عقدًا أخلاقيًا يُحتكم إليه، ويغدو المدني، مرة أخرى، الحلقة الأضعف في معادلة السلاح.
في السودان، حيث تتقاطع الحرب مع تاريخ طويل من تسييس الدين وتوظيفه في الصراع على السلطة، لم تنجح الهدن الإنسانية المتعاقبة في ترسيخ حدٍّ أدنى من الثقة. فالصراع الدائر بين القوات المسلحة السودانية و قوات الدعم السريع جرى، في جزء معتبر منه، داخل مناخ سياسي تشكّل فيه التيارات الإسلامية لاعبًا مؤثرًا، رسّخ ثقافة تبرير العنف، وأضعف قيمة العهد بوصفه التزامًا لا يُنقض. ومع تكرار خرق الهدن، بات واضحًا أن المشكلة لا تكمن في قِصر مدتها أو هشاشة نصوصها فحسب، بل في غياب قناعة راسخة بأن احترام العهد واجب لا يخضع للمساومة.
لقد أُعلنت هدن إنسانية عدة، رُفعت معها آمال المدنيين المحاصرين في المدن والقرى، غير أن تلك الآمال سرعان ما تبددت. استمر القصف، وتعطلت الممرات الإنسانية، ، في مشهد يعكس انفصامًا حادًا بين الخطاب والواقع. ومع كل خرق جديد، كانت الثقة تتآكل، لا في أطراف الصراع وحدها، بل في جدوى الهدنة ذاتها، حتى كادت تتحول إلى مفردة فاقدة للمعنى.
ولا يمكن فهم هذا الإخفاق المتكرر بعيدًا عن ثقافة التمادي في حنث العهود، حيث يُنظر إلى الالتزام بوصفه أداة ظرفية لا قيمة ثابتة. ففي ظل غياب آليات رقابة صارمة، وضعف المساءلة، يصبح خرق الهدنة فعلًا بلا كلفة، ويتحول الإعلان عنها إلى مجرد لفتة شكلية لتهدئة ضغط خارجي أو تحسين صورة مرحلية. وهكذا، يدفع المدني ثمنًا مزدوجًا: ثمن الحرب نفسها، وثمن الوهم الذي تُنتجه الوعود غير المحمية.
إن أخطر ما في هذا المسار ليس فشل هدنة بعينها، بل ترسيخ منطق الإفلات من الالتزام، وتطبيع انتهاك العهود حتى يغدو أمرًا عاديًا لا يثير استنكارًا ولا يستدعي محاسبة. وعند هذه النقطة، تفقد الهدنة الإنسانية وظيفتها ومعناها معًا، وتتحول من أداة إنقاذ مؤقتة إلى شاهد إضافي على أزمة أخلاقية عميقة، تتجاوز أطراف الصراع لتطال النظام الدولي نفسه.
في المحصلة، لن تنجح الهدنة الإنسانية في السودان ما دامت تُدار بعقلية التمادي لا بعقلية الالتزام، وما دام حنث العهود يُكافأ بالصمت أو التجاهل. فالهدنة، لكي تكون ممكنة وفاعلة، تحتاج إلى إرادة سياسية تُعلي قيمة الإنسان، وإلى ضغط حقيقي يجعل احترام العهد خيارًا وحيدًا لا بديل عنه. من دون ذلك، ستظل الهدنة عنوانًا جميلًا لواقعٍ قاسٍ، وصوتًا ضعيفًا يضيع في ضجيج السلاح، فيما يبقى المدني أسير حرب لا تعترف بعهود ولا تقيم وزنًا للإنسان.




