رأي

السلاح حين يفكّر بدل الدولة

ايمان التجاني

 

إيمان التجاني

حين تتكاثر الأسلحة في ساحة واحدة، وتتنوع مصادرها، لا يعود السؤال: من ينتصر؟ بل: من يقرّر؟ فالحرب في السودان تجاوزت منذ وقت طويل حدود الصراع العسكري، لتغدو اختبارًا قاسيًا لمعنى الدولة ذاتها، ولموقع الإرادة الوطنية في خضم تشابكات إقليمية معقّدة.

السلاح، في هذه الحرب، لم يعد أداة بيد السياسة، بل صار السياسة نفسها. تتقدم الدبابات والطائرات المسيّرة إلى الواجهة، بينما يتراجع العقل السياسي إلى الخلف، محاصرًا بمنطق أمني مغلق لا يرى في المجتمع سوى مساحة عمليات. في هذا السياق، يتحول القرار الوطني إلى نتيجة ثانوية، ويغيب السؤال عن «لماذا نقاتل؟» لصالح «كيف نواصل القتال؟».

الأخطر ليس استخدام السلاح المتطور، بل انفصال السلاح عن المساءلة. فحين تُدار ملفات التسليح بعيدًا عن النقاش العام، وتُحجب عن أي رقابة مدنية، يصبح العنف ممارسة طبيعية، لا حدثًا استثنائيًا. الدولة هنا لا تخطط، بل تردّ. لا ترسم أفقًا، بل تلاحق اللحظة التالية.

تعدد مصادر التسليح يعكس، في جوهره، غياب مركز سياسي موحد للقرار. إنه دليل على تفكك الرؤية لا على قوتها. فالدولة التي تعرف ماذا تريد، تعرف من أين تشتري، ولماذا، وتضع حدودًا واضحة لاستخدام القوة. أما حين تتجاور الأسلحة القادمة من اتجاهات متناقضة، فإن ذلك يكشف عن حرب تُدار بلا بوصلة، وبلا تصور لما بعد السلاح.

في ظل هذا الواقع، تصبح المدن ساحات اختبار، ويغدو المدنيون تفاصيل هامشية في معادلات عسكرية معقّدة. تتلاشى الفروق بين الجبهة والحي السكني، وبين الهدف العسكري والحياة اليومية. وهنا، لا تعود الحرب مسألة انتصار أو هزيمة، بل مسألة تآكل بطيء لمعنى العيش المشترك.

الحرب التي تُدار بعقلية أمنية خالصة، وبسلاح مستورد، لا يمكن أن تُنتج سلامًا محليًا. فهي، بطبيعتها، تنفتح على مزيد من التدويل، وتغلق الباب أمام أي تسوية نابعة من الداخل. فالسلاح حين يُستدعى ليحل محل السياسة، لا يترك خلفه إلا فراغًا أكبر.

ما يحتاجه السودان ليس إعادة توزيع موازين القوة، بل استعادة مركز السياسة. أي إعادة الاعتبار للسؤال الأساسي: من يملك القرار؟ ولصالح من يُستخدم السلاح؟ من دون ذلك، ستظل الحرب تدور في حلقة مغلقة، وسيظل السلاح يفكّر بدل الدولة… إلى أن لا يبقى من الدولة سوى اسمهـا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!