رأي

الإعلام… حجر الأساس في بناء الدولة المدنية وترسيخ التحول الديمقراطي في السودان

سهيبة مريش

 

 سهيبة مريش .. نيالا

يمثّل بناء دولة سودانية حديثة، مستقرة، وديمقراطية أحد أعمق المطالب التاريخية للشعب السوداني، وهو مسار لا يمكن إنجازه بمعزل عن مؤسسات قادرة على صياغة الوعي العام وإدارة النقاش الوطني بعقلانية ومسؤولية. وفي مقدمة هذه المؤسسات يبرز الإعلام بوصفه أداة محورية، بل رأس الرمح في معركة التحول المدني الشامل وضمان استدامته. فالعلاقة بين الإعلام وبناء الدولة ليست علاقة تكميلية أو ظرفية، وإنما علاقة جوهرية تضطلع فيها المنظومة الإعلامية بدور أساسي في ترسيخ القيم الديمقراطية وتعزيز الاستقرار الاجتماعي والسياسي.

إن أي حكومة تسعى بجدية لإحداث تحول ديمقراطي حقيقي في السودان مطالبة بأن تضع قضايا الإعلام في صدارة أولوياتها، لا باعتباره جهازًا دعائيًا، بل بوصفه شريكًا أصيلًا في صناعة الانتقال، وحارسًا للشفافية، وضامنًا لحق المجتمع في المعرفة. فالإعلام المهني لا يكتفي بنقل الحدث، وإنما يسهم في تشكيل الإدراك العام، وتوجيه السلوك الجمعي، وبناء الثقة بين الدولة والمواطنين.

في المراحل الانتقالية والدستورية، يكتسب الإعلام أهمية مضاعفة. ففي بلد كالسودان، تتداخل فيه التعقيدات السياسية مع تنوّع إثني وثقافي وجهوي واسع، يصبح الإعلام مساحة مركزية للتلاقي الوطني، وجسرًا للحوار، وأداة لتفكيك إرث الاستقطاب والانقسام الذي كرّسته الأنظمة الشمولية السابقة. ومن خلال خطاب إعلامي مهني ومسؤول، يمكن ترسيخ مفاهيم المواطنة المتساوية، وحكم القانون، واحترام حقوق الإنسان، وهي قيم لا تُغرس في المجتمعات بقرارات فوقية، بل عبر تفاعل يومي مستمر تقوده المنصات الإعلامية.

وتؤكد التجارب الدولية في التحولات الديمقراطية، من جنوب إفريقيا إلى دول أوروبا الشرقية، أن الإعلام الحر والمسؤول كان أحد الأعمدة الحاسمة في حماية مسارات الانتقال من الانتكاس. فغياب إعلام مهني يفتح الباب أمام القوى المناهضة للتغيير لإعادة إنتاج خطابها القديم، وتشويه الوقائع، وإرباك الرأي العام، وهو ما يشكل تهديدًا مباشرًا لأي مشروع وطني مدني.

يلعب الإعلام كذلك دورًا محوريًا في تحويل التعهدات السياسية النظرية إلى واقع عملي ملموس. فغالبًا ما تواجه الحكومات الانتقالية أزمة ثقة مع الشارع، ويأتي الإعلام المستقل والمهني ليؤدي دور الوسيط النزيه، عبر شرح السياسات العامة، ومساءلة السلطة، وكشف الفساد، وفتح المجال أمام الرأي الآخر. وفي القضايا الحساسة، مثل الإصلاح الاقتصادي، يصبح الإعلام أداة حاسمة لشرح الضرورات والبدائل، بما يقلل من احتمالات الاحتقان الشعبي، ويعزز القبول المجتمعي للإجراءات الصعبة.

غير أن التحدي الأبرز يكمن في كيفية تفعيل هذا الدور دون الوقوع في أحد فخّين متناقضين: فخ تسييس الإعلام وتحويله إلى بوق للسلطة، أو فخ الفوضى وغياب المعايير المهنية، بما يسمح بتغلغل الأجندات المعادية للدولة والنسيج الاجتماعي. والحل يكمن في تنصيب الكفاءات الوطنية الحقيقية في مواقع القرار الإعلامي، بعيدًا عن المحاصصات الحزبية والولاءات الضيقة.

فالكفاءة الإعلامية لا تعني الانتماء السياسي، بل تعني المعرفة العميقة بأصول المهنة، والقدرة على إدارة التنوع الثقافي والاجتماعي السوداني بحساسية ومسؤولية، والالتزام الصارم بأخلاقيات العمل الصحفي. إن تهميش الكفاءات لصالح المحسوبية يُعد ضربة مباشرة لفرص نجاح التحول المدني، ويقوض الثقة في مؤسسات الدولة.

كما يتطلب بناء جهاز إعلامي فاعل الاستثمار الجاد في تطوير البنية التحتية الإعلامية، ودعم الصحافة الاستقصائية، والإعلام الرقمي، وإعلام الأزمات، إلى جانب توفير حماية قانونية حقيقية للصحفيين، وضمان حق الحصول على المعلومات، وسن تشريعات واضحة توازن بين حرية التعبير ومتطلبات الأمن الوطني، دون المساس بالحقوق الأساسية.

وفي عصر الحروب المعلوماتية والتضليل، يصبح الإعلام خط الدفاع الأول عن الدولة المدنية. فهو يحمي النسيج الاجتماعي من الشائعات وخطاب الكراهية، ويصون الرواية الوطنية القائمة على الحقائق، وفي الوقت ذاته يسلط الضوء على الجهود الإيجابية والمبادرات التنموية، بما يعزز ثقة المجتمع المحلي والدولي في مسار التحول الديمقراطي.

ختامًا، لا يمكن التعامل مع الإعلام باعتباره قطاعًا هامشيًا في بنية الدولة السودانية الجديدة، بل هو العمود الفقري الذي يستند إليه مشروع التحول المدني برمّته. إن الحكومة التي تتصدى لهذه المرحلة التاريخية مطالبة بإحداث قطيعة حقيقية مع ممارسات الماضي، ووضع الإعلام في قلب عملية الإصلاح، عبر تمكين الكفاءات الوطنية المستقلة، وإبعاد المنصات الإعلامية عن التجاذبات الضيقة. فعندما يصبح الإعلام قوة مهنية مسؤولة وشريكة في البناء، يغدو الانتقال نحو دولة سودانية مدنية، ديمقراطية، ومستقرة مسارًا ممكنًا وحتميًا في آن واحد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!