اهتزاز الأرض تحت الأقدام المصرية والسعودية؛قراءة في أدوار الإقليم وإطالة أمد الحرب السودانية
عماد جدو

عماد جدو
لم يعد التدخل المصري في حرب أبريل بالسودان بين قوات الدعم السريع ومليشيات جيش الحركة الإسلامية محل جدل أو اجتهاد تحليلي، بل أصبح واقعًا سياسيًا وأمنيًا تفرضه الوقائع على الأرض وتسنده الشواهد المتراكمة. فاندلاع الصراع لم يكن معزولًا عن السياق السياسي الذي سبق الحرب، وتحديدًا محاولات عرقلة الاتفاق الإطاري، الذي وُقِّع لإعادة القوى المدنية إلى الحكم بعد فشل انقلاب عبد الفتاح البرهان على حكومة الفترة الانتقالية المدنية برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك.
المفارقة اللافتة أن البرهان نفسه كان طرفًا مشاركًا في إعداد الاتفاق الإطاري، وهو اتفاق تناول بوضوح سلبيات الفترة الانتقالية، وناقش دور “الدولة العميقة” التي وجدت حماية مباشرة من بعض أعضاء المجلس السيادي المكوَّن العسكري، وعلى رأسهم الجنرالات الذين يتخذون اليوم موقفًا متشددًا ضد أي تسوية سياسية تقود إلى السلام. والسبب واضح: أول شروط السلام هو تحديد المسؤولية عن إشعال الحرب، وهو ما يفتح أبواب المحاسبة.
صحيح أن للحركة الإسلامية الداعشية في السودان دورًا داخليًا محوريًا في تفجير الحرب، لكن حصر الأسباب في الداخل فقط يُعد تبسيطًا مخلًا. فالعامل الخارجي، وعلى رأسه التدخل الاستخباراتي المصري، كان حاضرًا بقوة. ويكفي التذكير بوجود سرب طيران مصري وطاقمه في مطار مروي، بذريعة “التدريب”. وهي رواية يصعب تصديقها، حتى لو افترضنا – جدلًا – أنها مرّت على المكوّن المدني، فكيف تُفسَّر بالنسبة للطرف العسكري الآخر، أي قوات الدعم السريع؟
الثابت أن قوات الدعم السريع تحركت من الخرطوم بأمر تحرك صادر من القائد العام يوم 14 أبريل، أي قبل اندلاع الحرب بيوم كامل. وهنا يذهب بعض المراقبين إلى أن هذه القوات “ابتلعت الطُعم” المُعد بعناية. والسؤال الجوهري: من أعد هذا الطُعم؟ هل هي قيادات الجيش الإسلامي؟ أم الحركة الإسلامية؟ أم الاستخبارات المصرية؟ ربما الإجابة تكمن في تقاطع مصالح هذه الأطراف جميعًا.
تعاطي الدعم السريع مع مجريات الأحداث كان – في تقدير كثيرين – ذكيًا في لحظاته الأولى، لكن الضربة الجوية التي نُفِّذت صباح 15 أبريل 2023م،من قاعدة وادي سيدنا بعد تحييد الطيران المتواجد في مطار مروي ْ بعد اشتباكات المدينة الرياضية بساعات، واستهدفت مركز تدريب الجنود المتجهين إلى المملكة العربية السعودية، شكّلت نقطة تحول دموية، حيث قُضي على ما يقارب (اربع الف وخمسمائة جندي) من قوات الدعم السريع، في مشهد يكشف طبيعة التحالفات الخفية وأدوار الإقليم.
ان البيان الصادر من وزارةالخارجيةالسعودية، الذي اتهم قوات الدعم السريع بالاعتداء على المساعدات الإنسانية في جنوب كردفان، ليكشف – عن قصد أو غير قصد – حجم التناغم بين الرياض والقاهرة في إدارة الأزمة السودانية. هذا التناغم لا يمكن فصله عن سياسة “توزيع الأدوار” التي تهدف إلى إطالة أمد الحرب وعرقلة أي تغيير جذري قادم، خشية أن تفضي ثورة الشعوب السودانية المهمشة إلى واقع إقليمي جديد لا يخدم مصالح الأنظمة القائمة.
إن تقديم السعودية ومصر للمساعدات الإنسانية، واستضافة أعداد كبيرة من السودانيين والسودانيات، هو واجب إنساني لا يُنكر، لكنه لا يمنحهما الحق في التدخل في الشأن الداخلي السوداني أو توجيه مسار الصراع. وإذا كان الادعاء هو الوقوف إلى جانب الشعب السوداني، فإن تاريخ هذا الشعب مع البلدين أقدم وأعمق من أي منّة سياسية أو إعلامية.
فمصر، التي تعتبر مياه النيل شريان حياة، تعلم جيدًا أن السودان – وفق اتفاقيات مياه النيل – يمتلك حقوقًا مائية لا تُقدّر بثمن، ولم تكن يومًا محل ابتزاز أو مساومة. كما أن ما تعرض له السودان من استنزاف موارده، تمّ – في جانب كبير منه – بتواطؤ جنرالات الجيش السوداني، وليس بقبول أو تفويض من الشعب.
أما المملكة العربية السعودية، التي نهضت بثروتها النفطية والمعدنية، فلا يمكن تجاهل أن شركات عديدة عملت في بداياتها بضمانات قدمتها حكومة سودانية منبثقة من إرادة جماهير الشعب السوداني، فضلًا عن مشاركة قوات سودانية في حرب اليمن، دفاعًا – بحق أو بباطل – عن أمن المملكة.
قد يرى البعض في بيان الخارجية السعودية محاولة لـ”رد الجميل” لحكومة بورتسودان وجنرالات الجيش، لكن على صُنّاع القرار في الرياض أن يعيدوا النظر مليًا. فالثورة السودانية لم تنكسر، وهي مستمرة، وقوات الدعم السريع – رغم الجدل – تُشكّل نواة محتملة لجيش سوداني جديد، إذا ما أُعيد بناؤه على أسس وطنية ومهنية.
أما النظام المصري، فقد شهدت الحدود قبل أيام حادثة إطلاق نار بين دورية من الجيش المصري وبعض المعدنين الأهليين داخل الأراضي السودانية المتاخمة للحدود. ورغم بساطة الحدث، إلا أنه يعكس حالة احتقان شعبي متنامية بسبب الانتهاكات المتكررة، سواء في مناطق التعدين أو مع الصيادين في النيل داخل الأراضي السودانية، وهو ما يغذي شعور الغبن ويُنذر بتداعيات أخطر.
خلاصة القول: إن الأرض تهتز اليوم تحت أقدام السياسات الإقليمية قصيرة النظر. والسودان، رغم جراحه، يتجه نحو تغيير لا يمكن وقفه بالدسائس ولا بالبيانات الدبلوماسية. ومن أراد شراكة حقيقية، فليضع مصلحة السودانيين والسودانيات فوق مصالح الجنرالات والجماعات المتطرفة.




