
نجم الدين دريسة
“من الأفضل للشعب السوداني أن يمرّ بتجربة حكم جماعة الهوس الديني، وسوف تكون بلا شك تجربة مفيدة للغاية، إذ إنها بلا شك سوف تكشف زيف شعارات هذه الجماعة، وسوف تسيطر هذه الجماعة على السودان سياسياً واقتصادياً حتى ولو بالوسائل العسكرية، وسوف تذيق الشعب السوداني الأمرين، وسوف يدخلون البلاد في فتنة تحيل نهارها إلى ليل، وسوف تنتهي بينهم، وسيُقتلعون من أرض السودان اقتلاعاً.”
الاستاذ الشهيد محمود محمد طه
حين تتحول العقيدة إلى برنامج حكم
لم تكن تجربة الإسلاميين في السودان مجرد مرحلة عابرة في تاريخ السلطة، بل كانت مشروعاً متكاملاً سعى إلى إعادة صياغة الدولة والمجتمع وفق رؤية أيديولوجية محددة. ومنذ اللحظة الأولى، بدا أن المسألة تتجاوز التداول السياسي المعتاد إلى محاولة إرساء نموذج ذي مرجعية شمولية، يتداخل فيه التنظيم الحزبي مع مؤسسات الدولة، وتُقدَّم فيه العقيدة بوصفها برنامج حكم.
الإشكال لم يكن في انتماء الفاعلين السياسيين إلى مرجعية دينية، فذلك حق مكفول في أي مجتمع تعددي، وإنما في تحويل المرجعية إلى إطار مغلق، يحتكر تعريف الصواب والخطأ، ويضع نفسه في مقام الوصاية الأخلاقية على المجتمع بأسره. حينها تصبح الدولة، لا ساحة تنافس بين رؤى متعددة، بل أداة تنفيذ لمشروع واحد.
الدولة بين التنظيم والمؤسسة
أحد أبرز التحولات التي رافقت تلك الحقبة تمثل في إعادة تشكيل مؤسسات الدولة بما ينسجم مع أولويات التنظيم. فقد جرى، وفق تقارير ومراجعات لاحقة، تمكين كوادر بعينها في مفاصل الخدمة المدنية والأمن والاقتصاد، على حساب معايير الكفاءة والتنوع.
هذا التداخل بين الحزب والدولة أضعف فكرة المؤسسة المحايدة، وأفضى إلى تآكل الثقة في الجهاز الإداري. فحين يُنظر إلى الدولة بوصفها امتداداً لتنظيم، تفقد صفتها الجامعة، ويتحول الانتماء السياسي إلى معيار للصعود أو الإقصاء. ومع مرور الوقت، تصبح البنية المؤسسية أقل قدرة على الاستجابة لتحديات معقدة تتطلب خبرات متنوعة واستقلالية مهنية.
الاقتصاد في ظل الشبكات المغلقة
اقتصادياً، شهدت البلاد تحولات عميقة، تخللتها خصخصة واسعة، وإعادة توزيع للموارد، ونشوء شبكات مصالح مرتبطة بمراكز النفوذ. وفي ظل غياب الشفافية الكافية، وتعقّد بنية الرقابة، تراكمت اتهامات بانتشار الفساد وضعف المساءلة.
لا ينهض أي اقتصاد وطني دون بيئة تنافسية عادلة، وقضاء مستقل، ومؤسسات رقابية قوية. وعندما يُنظر إلى الموارد العامة باعتبارها أدوات لتعزيز مشروع سياسي، تتراجع الاعتبارات التنموية طويلة المدى لصالح حسابات قصيرة الأجل. وقد انعكس ذلك في اختلالات هيكلية ما زالت آثارها ممتدة في بنية الاقتصاد السوداني.
الحريات العامة ومعادلة الأمن
في موازاة ذلك، شهد المجال العام تضييقاً متفاوتاً على الصحافة، والنقابات، ومنظمات المجتمع المدني، بحجة حماية الاستقرار أو صون الهوية. ومع مرور السنوات، تشكلت معادلة غير متوازنة بين الأمن والحرية، حيث تقدمت اعتبارات الضبط السياسي على حساب المساحة المدنية.
أي تجربة حكم تواجه تحديات أمنية، غير أن إدارتها تتطلب دقة في الموازنة بين حماية الدولة وضمان الحقوق. فالاستقرار القائم على تقييد دائم للحريات يظل هشاً، إذ تتراكم في ظله مشاعر التهميش والاحتقان، وتضعف القنوات السلمية للتعبير عن الاختلاف.
الدين في المجال العام… بين الإلهام والتوظيف
تاريخ السودان الحديث يكشف عن حضور عميق للدين في الحياة العامة، غير أن ذلك الحضور كان في أحيان كثيرة إطاراً جامعاً، لا أداة صراع. التحول الإشكالي حدث عندما جرى إضفاء طابع القداسة على قرارات سياسية، بحيث يصبح نقدها أقرب إلى التشكيك في العقيدة.
هذا التداخل بين المقدس والسياسي أضر بالاثنين معاً. فالدين، بوصفه مرجعية أخلاقية وروحية، يفقد نقاءه حين يُختزل في صراعات السلطة، والسياسة تفقد عقلانيتها حين تتدرع بشرعية مطلقة. ومن هنا جاءت تحذيرات مفكرين كُثر، وفي مقدمتهم محمود محمد طه، من مغبة الخلط بين الدعوة والسلطة.
نبوءة مبكرة وقراءة لاحقة
الكلمات التي أطلقها محمود محمد طه قبل عقود، واستُحضرت لاحقاً في سياق تقييم التجربة، لم تكن مجرد موقف معارض، بل قراءة فكرية لمسار محتمل حين يُختزل الدين في أداة حكم. وقد رأى أن التجربة، مهما بدت مغرية بشعاراتها، ستكشف تناقضاتها من داخلها.
اللافت أن كثيراً من مظاهر الانقسام، والصراع الداخلي، وتآكل الإجماع الذي رافق السنوات الأخيرة من تلك الحقبة، أعادت طرح تساؤلات حول طبيعة المشروع ذاته: هل كان قابلاً للاستمرار في بيئة متعددة مثل السودان؟ وهل يمكن لمشروع ذي مرجعية مغلقة أن يدير تنوعاً إثنياً وثقافياً ودينياً معقداً دون أن يُنتج توترات عميقة؟
ما بعد التجربة… سؤال الدولة الجامعة
اليوم، وبعد تحولات كبرى شهدتها البلاد، يظل السؤال المركزي معلقاً: كيف يمكن بناء دولة سودانية جامعة، تتسع لمختلف التيارات دون احتكار أو إقصاء؟ إن تجاوز أي تجربة حكم مثيرة للجدل لا يكون بإعادة إنتاج منطقها بوجه آخر، بل بإرساء قواعد مؤسسية تحول دون تكرارها.
ذلك يتطلب ترسيخ استقلال القضاء، وإعادة بناء الخدمة المدنية على أسس مهنية، وضمان حياد القوات النظامية، وتعزيز شفافية الاقتصاد. كما يتطلب نقاشاً مجتمعياً هادئاً حول العلاقة بين الدين والسياسة، بما يحفظ حرية الاعتقاد، ويصون المجال العام من الاحتكار الأيديولوجي.
إن التجارب السياسية، مهما بلغت حدّتها، تبقى دروساً في كتاب الأمم. وتجربة الإسلاميين في السودان، بكل ما أحاط بها من جدل وانتقادات، تندرج في هذا السياق. لقد كشفت عن مخاطر تماهي التنظيم مع الدولة، وعن حدود الخطاب الذي يستند إلى قداسة غير قابلة للمساءلة، وعن كلفة إدارة التنوع بعقلية أحادية.
غير أن الدرس الأهم يكمن في أن الدولة الحديثة لا تُدار بالشعارات، بل بالمؤسسات؛ ولا تستقيم باحتكار الحقيقة، بل بتداولها؛ ولا تصمد بالقهر، بل بالتوافق. والسودان، بما يملكه من تاريخ وتعدد، قادر على أن يستخلص من تجاربه المؤلمة رؤية أكثر نضجاً لمستقبله.
في نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر بإدانة مرحلة فحسب، بل بإعادة تعريف معنى الحكم ذاته: أهو هيمنة جماعة، أم عقد اجتماعي مفتوح؟ أهو وصاية أيديولوجية، أم إدارة مدنية خاضعة للمساءلة؟ الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد شكل السودان في العقود المقبلة.
وإذا كانت كلمات محمود محمد طه قد استُحضرت بوصفها تحذيراً مبكراً، فإن قيمتها الحقيقية تكمن في دعوتها الضمنية إلى التفكير النقدي، وإلى الفصل بين الإيمان بوصفه خياراً فردياً، والسلطة بوصفها مسؤولية عامة. فحين يختلط المجالان دون ضوابط، يدفع المجتمع بأكمله الثمن.
إن السودان يقف اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء دولته على أسس أكثر رسوخاً وعدالة. ولن يتحقق ذلك إلا بالاعتراف بالأخطاء، أياً كان مصدرها، وبالتمسك بمبدأ أن لا قداسة في السياسة، ولا احتكار للحقيقة في المجال العام. تلك هي العبرة التي يمكن أن تجعل من أكثر التجارب قسوة نقطة انطلاق نحو أفق أرحب.



