رأي

15 أبريل وانكشاف الدولة

سهيبة مريش

 

 سهيبه مريش

لم يكن الخامس عشر من أبريل 2023 مجرد تاريخ لاندلاع مواجهة مسلحة بين قوتين كانتا تتقاسمان النفوذ داخل الدولة السودانية، بل مثّل لحظة انكشاف عميق لبنية سياسية وأمنية ظلّت لسنوات تُقدَّم باعتبارها صلبة ومتماسكة. ما جرى في ذلك اليوم لم يكن حدثاً عسكرياً معزولاً، بل نقطة تحول كشفت هشاشة التصورات التي حكمت علاقة المؤسسة العسكرية بالسلطة، وأعادت طرح سؤال الدولة نفسها: على أي أساس قامت، ولمن ظلت تعمل؟

الانهيار السريع لمواقع رئيسية تابعة للجيش النظامي أمام قوات الدعم السريع فُسّر بطرق متباينة، غير أن دلالته السياسية كانت أوضح من أن تُختزل في ميزان ميداني. فالمؤسسة التي رُوّج لها طويلاً باعتبارها “العمود الفقري للدولة” بدت عاجزة عن حسم صراع داخلي مع قوة نشأت في أحشائها وتغذت من بنيتها. هذه المفارقة لم تُضعف صورة الجيش فحسب، بل قوّضت السردية التي قامت عليها شرعية تدخل المؤسسة العسكرية المتكرر في الشأن السياسي منذ الاستقلال.

لسنوات، تغنّت نخب متعاقبة بقوة الجيش باعتباره الضامن الأخير للاستقرار، سواء في عهد “الإنقاذ” أو خلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت ثورة ديسمبر 2018. غير أن أحداث أبريل أظهرت أن تسييس المؤسسة العسكرية وإقحامها في لعبة السلطة أضعفا بنيتها المهنية، وأدخلاها في شبكة من الولاءات المعقدة التي لا تستجيب دائماً لمنطق الانضباط المؤسسي. حين تتراجع المعايير المهنية لصالح الحسابات السياسية، تصبح المؤسسة أكثر عرضة للتصدع عند أول اختبار حقيقي.

لم يكن الرهان على “حسم سريع” سوى امتداد لثقافة سياسية ترى في القوة العسكرية أداة لإعادة ترتيب المشهد وفق إرادة المنتصر. لكن تلك الحسابات أغفلت طبيعة التحولات التي شهدها المجتمع السوداني منذ 2018، حيث اتسعت دائرة الوعي الشعبي برفض الحكم الشمولي، وتزايدت المطالب بدولة مدنية تخضع فيها القوات النظامية للرقابة الدستورية. اندلاع الحرب مثّل، بالنسبة لكثيرين، انتكاسة لطموحات الانتقال، وأعاد البلاد إلى مربع الصراع على السلطة بين مراكز القوة المسلحة.

الخسارة لم تكن عسكرية فقط، بل إنسانية ومؤسسية. فالحرب التي اندلعت في قلب العاصمة سرعان ما امتدت إلى أقاليم أخرى، وأدخلت ملايين المواطنين في دوامة نزوح وفقدان للخدمات الأساسية. وفي ظل هذا الانهيار، بدا المواطن العادي هو الخاسر الأكبر، إذ وجد نفسه رهينة صراع لا يعكس أولوياته في الأمن والمعيشة والكرامة.

غير أن الحدث حمل بعداً آخر يتصل بعلاقة المركز بالأقاليم. فالمناطق التي طالما نظرت إلى الدولة المركزية بعين الريبة – بسبب تاريخ من النزاعات المسلحة والتهميش التنموي – رأت في ما جرى دليلاً على أن المركز نفسه يعاني من تصدعات بنيوية. لعقود، كان يُنظر إلى الجيش بوصفه رمزاً لهيبة الدولة وقدرتها على فرض إرادتها. لكن حين اهتز هذا الرمز، تزعزعت معه صورة المركز المهيمن الذي لا يُنازع.

هذا التحول لا يعني بالضرورة صعود بديل مستقر، بل قد يفتح الباب أمام سيناريوهات متباينة: من تعزيز مطالب الحكم اللامركزي الحقيقي، إلى إعادة طرح صيغ جديدة لتقاسم السلطة والثروة، وصولاً إلى مخاوف من مزيد من التفكك. غير أن الثابت هو أن العلاقة التقليدية بين المركز والهامش لم تعد قابلة للاستمرار بذات الصيغة القديمة، وأن إعادة تعريفها أصبحت ضرورة سياسية وليست ترفاً نظرياً.

في هذا السياق، تبرز مسؤولية القيادة العسكرية، وعلى رأسها الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في استخلاص العبر من التجربة. فالإصرار على تصور الجيش باعتباره الفاعل السياسي الأول، والحَكَم الأخير في النزاعات المدنية، أثبت محدوديته. الدولة الحديثة لا تقوم على توازنات عسكرية متحركة، بل على مؤسسات دستورية واضحة الصلاحيات، وخاضعة للمساءلة.

إن الاعتراف بأن المؤسسة العسكرية جزء من الدولة وليست الدولة نفسها، هو خطوة أولى في اتجاه إعادة البناء. فحين تتضخم الأدوار السياسية والاقتصادية للقوات النظامية، تتراجع قدرتها على أداء وظيفتها الأساسية في حماية الحدود وصون السيادة. وما كشفه أبريل هو أن تداخل الوظائف يُضعف الجميع، ولا يحمي أحداً.

لقد مثّل الخامس عشر من أبريل لحظة سقوط أوهام عدة: وهم الانتصار السريع، وهم احتكار الوطنية، ووهم أن السلاح يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن السياسة. كما كشف أن الأزمات البنيوية المؤجلة سرعان ما تنفجر حين يغيب أفق التسوية الشاملة. وإذا كان من درس جوهري يمكن استخلاصه، فهو أن الشرعية لا تُستمد من فوهة بندقية، بل من عقد اجتماعي يعترف بتعدد البلاد ويمنح جميع مواطنيها شعوراً متساوياً بالانتماء.

السودان اليوم أمام مفترق طرق. فإما أن تُستوعب دلالات تلك اللحظة المفصلية بوصفها دعوة لإعادة تأسيس الدولة على قواعد مدنية عادلة، أو أن تستمر الحلقة المفرغة التي تنتقل فيها السلطة بين مراكز القوة دون أن تلامس جذور الأزمة. ما جرى في أبريل ليس نهاية التاريخ، لكنه بالتأكيد نهاية مرحلة من اليقين الزائف. ومن وعي هذه الحقيقة يبدأ الطريق الشاق نحو استعادة الدولة، لا بوصفها أداة غلبة، بل كإطار جامع لكرامة مواطنيها كافة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!