رأي

هذه الحرب ليست عبثية

مها طبيق

 

 مها طبيق 

الحرب الحالية هي انفجار متأخر لتراكمات تاريخية وسياسية واجتماعية واقتصادية تراكمت على مدى عقود من الحكم المركزي المتعاقب المرتكز على سياسات الإقصاء وتفتيت مجتمعات الهامش ، فتآكلت بفضل هذه السياسات مؤسسات الدولة شيئا فشيئا ثم إنهيارت برمتها . ومع تدخل القوى الإقليمية والدولية واستثمارها في هذه الحرب من أجل مصالحها ازداد المشهد تعقيدا . الخطأ أن نظن ونكرر مقولة ( الحرب عبثية ) الحرب الحالية في السودان ليست نزاعا عشوائيًا أو صراعًا عبثيًا ، ولكي نفهم هذه الحرب ، لا بد من استدعاء منظومة الأسباب بأبعادها المتشابكة ، التي تكشف لنا النتيجة المنطقية لمسار طويل من الفشل البنيوي والتراكمات المكبوتة .

هذه التراكمات التاريخية للاخفاقات وسياسات الإقصاء التي مورست منذ الاستقلال ، حيث اعتمدت الدولة السودانية هيمنة مركزية قائمة على تهميش سياسي واقتصادي للاطراف الجغرافية خارج العاصمة . مثل مناطق دارفور ، وكردفان وشرق السودان والنيل الأزرق ، وجبال النوبة حيث عاشت تلك المناطق تحت تمييز طويل الأمد تمثلت في الحرمان من إستغلال مواردها في التنمية ، وعدم تمثيلها السياسي في مركز القرار ، هذه السياسات أنتجت شعورًا دائمًا بالغبن والمظلومية ، ووضت اول لبنة من بذور الصراع المسلح المستقبلي .

تآكل مؤسسات الدولة وتسييس

الجيش ، والشرطة، والقضاء ، والإدارة المدنية بسبب المحسوبية الجهوية والسياسية جعل الصراع الداخلي مفتوحًا على كل الاحتمالات ، وساحة لتصفية الحسابات بين جميع الأطراف السياسية والعسكرية والمليشيات المتعددة برافع إقليمي ودولي .

الإسلام السياسي والإخوان لعبوا دورًا مركزيًا في إعادة تعريف الدولة والسياسة وفق مشروع سلطوي مركزي تمحور حول تصدير العنف ونهب الموارد وتفكيك المجتمعات المستقرة بإختلاق العداوات البينية وعدم الاستقرار ، حيث تم توظيف الدين والسياسات الثقافية لإقصاء الهامش لصالح النخب المسيطرة في المركز . الصراع العسكري الحالي يعكس جوهر الأزمة التاريخية بفعل النخب التي ورثت السلطة من المستعمر وإرادت أن تحافظ على امتيازاتها عبر الخداع السياسي بالحكم المدني أو الانقلابات العسكرية طالما تحقق لهم المحافظة على المكاسب السلطوية أو الاقتصادية . إستخدمت هذه النخب ادوات متنوعة لتجهيل المجتمعات بتحريف وطمث حقائق التاريخ وكرست لازدراء الثقافات المحلية وحجبها من الظهور بدلا من إستثمارها في النهضة الشاملة .

هشاشة الأوضاع الداخلية وضعف البنية الوطنية للنخب كان سبب جاذبا للتدخل الإقليمي والدولي وزاد من تعقيدات الأوضاع . تلك الأطراف تسعى للاستفادة من الموارد وتعزيز نفوذها في سباق محموم بين دول الإقليم فيما بينها وكذلك أقطاب دولية تتقاطع مصالحها حول البحر الاحمر والموارد الافريقية مما يسرّع ويطيل النزاع ويضاعف آثاره على المدنيين .

الفقر المزمن ، البطالة ، وتهميش الشباب لعبت دورًا أساسيًا في تسهيل التحشيد العسكري المحلي . فالحرب اليوم تلتهم الموارد المحدودة ويغذي دورة من العنف يصعب كسرها دون معالجة جذرية للهشاشة الاقتصادية والاجتماعية .

الحرب في السودان ليست عبثية ولا نزاعًا سطحيًا إنها تصحيح مؤلم لمسار تاريخي طويل من الفشل البنيوي والسياسات الإقصائية والصراعات المؤجلة . لذلك فهم هذه المنظومة المتكاملة من الأسباب المتراكمة هو الشرط الأول لأي خطة سلام أو إصلاح . ولا يمكن بناء استراتيجية للتعامل مع الحرب السودانية دون النظر في التراكم التاريخي الذي أدى الي هذا الانهيار ، وبسببه اشعل الصراع ومهد للتدخل الخارجي ، باداوته الاستخباراتية المعهودة .

 

مها الهادي طبيق

11 فبراير 2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!