رأي

وفيك يا مصر: حنين الأرواح وسط المنافي

هويدا سنادة

 

هويدا سنادة

ليس الوطن من نولد فيه، بل من نحمل قلبنا وروحنا له

حين أبحرنا نحو شواطئ المدن البعيدة، حملنا معنا أكثر من أمتعة جسدية، حملنا أرواحنا المتعبة وذكرياتنا المشوهة بالغربة، محاولين أن نخفي الغصة التي تتسلل في أعماقنا كلما لمحنا الوطن في الأفق. الوطن الذي لم نتركه خلفنا، بل حملناه معنا في الجدران، في الميادين، وفي قلوب الرفاق الذين ظلوا محفورين في ذاكرتنا كلوحة رسمت بمزاج واحد، وموّحدة بمشاعر أصيلة لا تتغير، مهما حاول رسام شاطر أن يغير ألوانها أو يحاكي تفاصيلها.

كان الحنين شديدًا حد البكاء، نحاول لملمة دموعنا بصمت، نبتلع العبرة حتى لا تخنقنا، لكن الحقيقة لا يمكن حجبها: الوطن يحيط بنا، يلتصق بعيوننا، يشتاق إلينا كما نشتاق إليه. اللهفة تقبض على دواخلنا، والدمعة هي الفيحاء الوحيدة التي تكشف وجعنا المكبوت. تمر الساعات على متن السفن، ونشهد ملامح المدن التي ستكون محطتنا الأخيرة، لكن العشم ليس في وطن بديل، بل في الإجابة عن سؤال واحد: هل سنجد في هذه الحياة ما يوازي ما فقدناه؟

إلا أن الإجابة كانت خجلى، تتوارى، خجلة من واقع حاضر متبعثر قبل أن يبدأ، من غياب الشمس عن مستقبلنا، ومن سرقة الظلام لضوء أحلامنا. وبين رؤيتنا وما نشعر به، كانت المسافة طويلة، مليئة بالأسى والخوف من المجهول. حين ترجلنا، كانت أعيننا ثاقبة، تبحث في كل زاوية، تتربص بالتفاصيل، تتحسس الفرح بين الانكسارات. لم يكن المكان بديلًا، لم يكن الوطن الجديد حيًا، بل كان الوطن الحقيقي غائبًا، متشتتًا بين ذكرياتنا وماضينا، وفي كل شارع، في كل ركن، كانت أرواحنا معلقة بين الحنين والحقيقة.

تعثرت خطواتنا، ورفضت أجسادنا فكرة الميلاد الجديد؛ فالميلاد كان الوطن نفسه، لا أرض مأجورة، ولا حياة بديلة. كانت أرواحنا متشبثة بالهواء الذي تنفسناه هناك، بالشوارع التي حملت صرخاتنا، بالمواكب التي عشناها، بالرفاق الذين فقدناهم، وبذكريات الطفولة والشباب التي لم نتركها ولم يتركنا الوطن عنها. لكن شاءت الأقدار أن ندفن أنفسنا أحياء في المنافيء، في بلدان جفت فيها الإنسانية، وأصبحت الأرواح في خطر مستمر، وقلوبنا تشتعل بالحنين لكل شيء تركناه خلفنا، لكل وجع لم يهدأ، ولكل دمعة لم تذرف.

إلى كل السودانيين في النزوح واللجوء، إلى كل من حملتهم رياح الغدر والخيانة من أوطانهم، إلى المكتوين بسعير الحرب، إلى المغيبين والمظلومين، والقابضين على جمر الألم والذل: أهديكم سفري هذا، وأهديكم دموعي الصامتة، وأهديكم قصص الألم التي لا تحكيها الكتب.

أدعو الله العلي العظيم أن يرحمنا برحمته الواسعة، أن يشملنا بعطفه وعفوه، وأن يبدل حالنا بعد العسر يسرًا، وأن يعيد الوطن إلينا في أحسن حال، حيث تستعيد الأرواح توازنها، وعيوننا بريقها، وقلوبنا نبضها الطبيعي، وحيث تعود الحياة كما كانت، حرة وطيبة، لكل فرد يحمل حنينه في قلبه.

الوطن ليس مجرد مكان نولد فيه، بل هو كل ما نحمله في أعماقنا من حب، وذكرى، وحنين، ودموع. إنه رائحة الطرقات التي عشقتها أرواحنا، وأصوات الرياح التي سافرت معنا، والسماء التي شهدت أحلامنا. في كل منا وطن صغير، لكنه كبير بما نحمله من ألم وأمل، بما نحمله من ذكريات دفينة، وبكل خطوة نحو مستقبل نطمح فيه رغم كل صعوبة.

الحنين، رغم قسوته، يعلّمنا الصبر. والدموع، رغم ألمها، تروي جذور الانتماء. والحياة، رغم جفاء المنافي، تظل تمنحنا فرصة لأن نحب، لأن نتذكر، وأن نحلم بوطن يعود إلينا كما عهدناه، بكرامة وشموخ.

وهكذا، رغم الغربة، يظل الوطن فينا، نحمله حيثما ذهبنا، ونحميه بقلوبنا قبل أن نحمي أنفسنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!