رأي

الوسيط حين يفقد توازنه

عاطف نواي

 

 عاطف نواي

منذ اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل، ظلّت المملكة العربية السعودية تُقدِّم نفسها وسيطًا مقبولًا بين أطراف النزاع السوداني، واستضافت منبر جدة في محاولة لوقف إطلاق النار وفتح المسارات الإنسانية. وقد لاقى ذلك الترحيب من قطاعات واسعة من السودانيين الذين رأوا في الرياض ثقلًا إقليميًا قادرًا على الدفع نحو تهدئة الحرب ووقف نزيف الدم.

لكن البيان السعودي الأخير بشأن قافلة الإغاثة ومستشفى الكويك أثار موجة من التساؤلات والقلق، ليس فقط بسبب مضمونه، بل بسبب ما اعتبره كثيرون انحرافًا عن موقع الحياد الذي يُفترض في الوسيط. فاللغة المستخدمة، وطبيعة الإدانة، وترتيب الأولويات في الطرح، بدت في نظر منتقدين  أقرب إلى تبنّي رواية طرف بعينه، بدل الاكتفاء بالدعوة إلى تحقيق مستقل وشفاف يكشف الحقائق للرأي العام.

إن السؤال الجوهري هنا لا يتعلق بإدانة قصف منشآت طبية أو قوافل إنسانية – فحماية المدنيين واجب أخلاقي وقانوني لا خلاف عليه – وإنما يتعلق بآلية التحقق، وبالمعايير المتساوية. هل أُجري تحقيق ميداني مستقل؟ هل تم الاستماع إلى كل الأطراف؟ وهل تم اعتماد معلومات موثوقة قبل إصدار الموقف الرسمي؟

البيان أشار إلى “مستشفى الكويك العسكري”، وهو توصيف يطرح إشكالًا قانونيًا وسياسيًا في آن واحد. فالقانون الدولي الإنساني يفرّق بين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، لكنه يشترط – في كل الأحوال – التحقق الدقيق والتناسب في استخدام القوة. لذلك، فإن الجدل لا ينحصر في طبيعة الموقع، بل في ملابسات الاستهداف وسياقه.

أما في ما يتعلق بالقافلة، فقد تباينت الروايات حول طبيعتها ومحتواها. وبين من يؤكد أنها إغاثة خالصة، ومن يشكك في ذلك، تظل الحاجة إلى لجنة تقصي حقائق مستقلة ضرورة ملحّة، لأن تضارب السرديات في زمن الحرب أخطر من الحدث نفسه. الحقيقة وحدها هي التي تمنح المواقف الرسمية قوتها ومصداقيتها.

الانتقادات الموجَّهة للمملكة لا تنبع من خصومة، بل من خيبة أمل لدى من رأوا فيها ضامنًا للتوازن، خاصة أن السعودية كانت حاضرة بقوة في الملف السوداني، سياسيًا وإنسانيًا، منذ سنوات. لذلك فإن أي انطباع بعدم الحياد يضعف دور الوساطة، ويُعقّد فرص استئناف المسار التفاوضي.

ثمّة جانب آخر لا يمكن تجاهله، وهو التاريخ القريب لمشاركة قوات سودانية في التحالف العربي باليمن ضمن عملية “عاصفة الحزم”، حيث قدّم آلاف الجنود السودانيين أرواحهم في مواجهة الحوثيين. هذه التضحيات خلقت شعورًا لدى قطاعات واسعة في السودان بوجود رابطة مصير وموقف مشترك. ومن هنا تأتي حساسية أي خطوة تُفهم باعتبارها انحيازًا ضد مكوّن سوداني يرى نفسه شريكًا في حماية الأمن الإقليمي.

غير أن العلاقات بين الدول لا تُبنى على العاطفة وحدها، ولا تُدار بمنطق ردود الفعل. المصالح، والهواجس الأمنية، وتعقيدات الجغرافيا السياسية، كلها عوامل تدخل في حسابات القرار. ومع ذلك، فإن الوسيط الناجح هو من يوازن بين المصالح والمصداقية، وبين الأمن والعدالة، فلا يخسر دوره الأخلاقي وهو يبحث عن ضمانات استراتيجية.

إن السودان اليوم في حاجة إلى وساطة قوية، متوازنة، تستند إلى القانون الدولي، وتلتزم بمعيار واحد تجاه كل الانتهاكات، أياً كان مرتكبها. كما أن المملكة – بحكم وزنها الإقليمي ومكانتها الدينية – قادرة على لعب هذا الدور إذا حرصت على ترسيخ صورة الحياد الإيجابي، والدعوة إلى تحقيقات مستقلة، وإدانة الانتهاكات بلا انتقائية.

المأساة السودانية أكبر من أن تتحول إلى ساحة لتبادل الاتهامات. المطلوب هو وقف الحرب، وحماية المدنيين، وفتح ممرات آمنة للإغاثة، واستئناف عملية سياسية شاملة تُنهي الانقسام.

يبقى السؤال مفتوحًا: هل تستعيد الرياض موقعها كوسيط متوازن يجمع الفرقاء، أم يترسخ الانطباع بأنها باتت أقرب إلى أحد أطراف الصراع؟ الإجابة لن تتحدد بالبيانات، بل بالفعل الدبلوماسي المتزن، وبالقدرة على الإصغاء إلى جميع الأصوات السودانية دون استثناء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!