
هويدا سنادة
لفهم كيفية إدارة الملفات الأكثر تعقيدًا داخل الاتحاد الإفريقي، لا بد من قراءة متأنية لطبيعة هذه المؤسسة، وآليات اشتغالها، وحدود التداخل بين القانون والسياسة في قراراتها. فقضية تعليق عضوية السودان تمثل نموذجًا كاشفًا لهذا التداخل، حيث تتقاطع المبادئ القانونية المعلنة مع اعتبارات الاستقرار الإقليمي وموازين القوة داخل المنظمة.
ينص الإطار القانوني للاتحاد الإفريقي بوضوح – عبر الميثاق الإفريقي للديمقراطية والانتخابات والحكم الرشيد – على رفض أي تغيير غير دستوري للحكومات، ويُقرّ آلية تعليق عضوية الدولة التي تشهد انقلابًا عسكريًا أو تقويضًا للنظام الدستوري، إلى حين استعادة المسار الديمقراطي. من حيث المبدأ، يبدو النص صارمًا وحاسمًا، ويعكس إرادة قارية لكبح ظاهرة الانقلابات.
غير أن الإشكالية لا تكمن في النص ذاته، بل في تفسيره وتطبيقه. فالميثاق لا يضع دائمًا تعريفًا إجرائيًا دقيقًا لماهية “العودة إلى النظام الدستوري”، ولا يحدد معايير ملزمة لقياس تحقق الانتقال الديمقراطي. هذه المساحة الرمادية تفتح الباب أمام التأويل، وتمنح مفوضية الاتحاد والدول الأعضاء هامشًا للمناورة السياسية، خاصة في الحالات التي تتداخل فيها الحرب الداخلية مع تعقيدات المشهد الإقليمي.
الاتحاد الإفريقي ليس هيئة قضائية مستقلة، بل منظمة سياسية تتشكل من حكومات تسعى – بدرجات متفاوتة – إلى حماية استقرارها الإقليمي. وفي حالات النزاع المسلح، قد يُنظر إلى إبقاء دولة ما داخل المنظومة القارية باعتباره خيارًا عمليًا لتسهيل التنسيق الأمني وإدارة الأزمات، مقارنة بعزلها الكامل. وهنا تتحول العضوية من مسألة امتثال قانوني صرف إلى أداة لإدارة التوازنات.
كما أن نظام التصويت والتحالفات داخل الاتحاد يخضع لتأثير التكتلات الإقليمية. فإذا دعمت كتلة مؤثرة عودة السودان، يصبح من الصعب عمليًا تعطيل هذا التوجه، حتى لو ظل الجدل القانوني قائمًا. بهذا المعنى، يتقاطع القانون مع حسابات القوة، ويغدو القرار نتاجًا لمعادلة سياسية بقدر ما هو تطبيق لنصوص ميثاقية.
في هذا السياق، يثار سؤال جوهري: هل يكفي تشكيل حكومة مدنية أو إعلان خارطة طريق انتقالية لمنح السلطة القائمة شرعية تتيح استعادة العضوية؟ وهل يمكن توصيف ما جرى باعتباره “انتقالًا ضروريًا” أو “تصحيح مسار” لتجاوز توصيف الانقلاب؟ إن مثل هذه الصياغات، إن لم تُدعّم بخطة زمنية واضحة، وضمانات دستورية، ومؤشرات قابلة للتحقق، قد تتحول إلى أدوات خطابية أكثر منها التزامًا حقيقيًا بالتحول الديمقراطي.
وتزداد المسألة تعقيدًا حين تُطرح خطط انتقالية تفتقر إلى توافق وطني واسع أو قبول شعبي واضح. فهل يكفي الالتزام الشكلي بإجراء انتخابات مستقبلية لرفع التعليق؟ أم أن معيار القبول الشعبي ينبغي أن يكون عنصرًا حاسمًا في تقييم استعادة الشرعية؟ هذه الأسئلة تكشف الفجوة بين الشرعية الإجرائية والشرعية الشعبية.
فالشرعية، في القانون الدولي والسياسة الإفريقية، ليست مفهومًا أحاديًا. هناك شرعية قانونية–إجرائية تقوم على السيطرة الفعلية على الإقليم وإدارة مؤسسات الدولة والاعتراف البيروقراطي. ووفق هذا المنظور، قد يُنظر إلى حكومة الأمر الواقع – متى ما أحكمت سيطرتها ووفرت قدرًا من الاستقرار – باعتبارها شريكًا يمكن التعامل معه.
في المقابل، تقوم الشرعية الشعبية على رضا المواطنين والتعبير الحر عن الإرادة العامة عبر انتخابات نزيهة وتعددية سياسية حقيقية. فإذا غابت هذه العناصر، تظل السلطة محل جدل أخلاقي وسياسي، حتى وإن تمتعت باعتراف رسمي.
عندما عُلّقت عضوية السودان، كان ذلك اعترافًا ضمنيًا بأن المسار الدستوري قد انقطع. أما مسألة العودة دون تحول جوهري، فهي محل جدل مشروع: هل تمثل تطبيقًا مرنًا للنصوص مراعاةً لظرف استثنائي؟ أم تشكل سابقة تضعف هيبة الميثاق وتبعث رسالة ملتبسة بشأن معايير الانضباط الدستوري؟
الواقع أن التناقض الظاهر يعود إلى طبيعة الاتحاد ذاته؛ فهو منظمة حكومات لا منظمة شعوب. ولذلك تميل قراراته – في كثير من الأحيان – إلى موازنة القيم المعلنة مع ضرورات الحفاظ على تماسك المنظومة السياسية للدول الأعضاء. فالمحاسبة الصارمة على أساس الشرعية الشعبية قد تثير مخاوف أنظمة أخرى من انتقال عدوى المعايير عليها.
في المحصلة، تبقى قضية السودان اختبارًا لقدرة الاتحاد الإفريقي على التوفيق بين مبادئه المعيارية واعتباراته البراغماتية. فإما أن يُرسّخ معيارًا واضحًا للعودة إلى النظام الدستوري يعزز ثقة الشعوب في مؤسساته، أو أن يستمر في إدارة الأزمات بمنطق التوازنات، حيث تتقدم السياسة خطوة على القانون.




