رأي

القرن الإفريقي ليس فيلم تجسس… السودان هو جوهر الأزمة

بروفيسور: سيف الدين عبد الرحمن 

 

بروفيسور: سيف الدين عبد الرحمن 

في خضم الضجيج الإقليمي المتصاعد، يطل علينا مقال بعنوان “انفجار القرن الإفريقي: ساعة الصفر تقترب”، بلغة إيحائية و استخباراتية، توحي بأن المنطقة تقف على أعتاب مواجهة كبرى تُدار من غرف مغلقة، و أن تحركات دبلوماسية متزامنة مع اجتماعات أمنية في عواصم أخرى، تمثل حلقات أخيرة في طوق جيوسياسي يُغلق على ما يسميه الكاتب منافذ الفوضى الإماراتية.

المشكلة ليست في توصيف القرن الإفريقي بوصفه منطقة توتر – فهذا توصيف واقعي – بل في القفزة التحليلية التي تربط أحداثًا متفرقة بسردية واحدة، دون سند أو مصادر موثوقة قابلة للتحقق. التوازي الزمني (synchronization) لا يعني وحدة التخطيط، و السياسة الإقليمية لا تُدار بمنطق المؤامرة (conspiracy logic).

من زاوية السودان، تبدو هذه القراءة أكثر اختزالًا. فالحرب الحالية ليست نتاج تدخل خارجي منفرد، بل نتيجة تراكم طويل لانهيار الدولة، و عسكرة الحياة السياسية، وتفكيك المركز. تقديم السودان كساحة صراع بين قوى إقليمية يخفف المسؤولية عن الفاعلين المحليين، ويتجاهل الدور المركزي للعسكر في إنتاج المأزق الوطني.

كما أن تصوير التحركات السعودية أو المصرية باعتبارها جزءًا من مشروع إنهاء الفوضى يتجاوز حقيقة أن هذه الدول نفسها دعمت، في مراحل مختلفة، تحركات عسكرية داخل السودان أعادت إنتاج سلطة السلاح بدل دعم انتقال مدني حقيقي. و كانت النتيجة إطالة عمر الأزمة لا احتواءها.

يعتمد المقال كذلك على إستنادات مواقع استخباراتية و تحركات ميدانية دون تقديم معلومة واحدة قابلة للفحص (scrutiny evidence). هذا أسلوب تعبوي مألوف: يُستعاض فيه عن التحليل بالإيحاء، وعن الوقائع بالانطباع.

 

الأخطر هو اختزال القرن الإفريقي في ثنائية نظام مقابل فوضى، الواقع أكثر تعقيدًا و الإقليم يعج بتدخلات متعددة؛ أمريكية، صينية، تركية، روسية، و خليجية. جميع هذه القوى تمارس نفوذًا خشنًا بدرجات متفاوتة. المشكلة ليست في تعدد الفاعلين، بل في هشاشة الدول نفسها. السودان يقف في قلب هذه المعادلة، انهياره لا يعني صراع محاور فحسب، بل فشلًا عميقًا في بناء دولة وطنية قادرة على احتكار الشرعية و إفتقار ادوات العنف المشروعة، دولة تحولت فيها الحرب إلى نفوذ اقتصاد، و السيادة إلى ورقة مساومة، و المواطن إلى وقود للصراع.

وحين يُطرح احتمال الصدمة الإقليمية، فإن ذلك يساهم ضمنيًا في تطبيع فكرة الحرب كمسار طبيعي لإعادة التوازن. لكن التجربة السودانية تقول بوضوح، العنف لا ينتج استقرارًا، بل يعيد تدوير الفشل و يعمّق التفكيك.

 

القرن الإفريقي لا يقف على حافة الانفجار بسبب زيارة دبلوماسية أو صمت دول، بل بسبب تراكم طويل لانهيار السودان كمركز لأمن القرن الافريقي. و أي قراءة تتجاهل هذا العامل البنيوي ستظل أسيرة الإثارة السياسية، عاجزة عن تقديم فهم حقيقي لمسارات الأزمة أو إمكانات الخروج منها.

الخلاصة أن الإقليم يخضع لتداخل معقد بين أزمات داخلية عميقة و تنافس دولي متعدد المستويات. فإثيوبيا تواجه تحديات بنيوية في نظامها الفيدرالي، و إريتريا تعاني عزلة مزمنة، و الصومال لا يزال دولة هشة، بينما يتحول البحر الأحمر إلى ساحة تنافس بين قوى عالمية و إقليمية. السودان يقع في قلب هذه المنظومة، لا على هامشها، و يؤدي انهياره إلى مضاعفة عدم الاستقرار في كامل الحزام الممتد من الساحل الغربي للبحر الأحمر إلى العمق الإفريقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!