رأي

بين التضحيات المسروقة وأمراض الدولة القديمة: صرخة في وجه الظلم المقنّع

أحمد شو

 

أحمد شو 

منذ الخامس عشر من أبريل، ظللنا نعمل بكل تفانٍ في ميادين متعددة، واضعين نصب أعيننا نصرة قضية نؤمن بعدالتها وضرورة انتصارها. لم تكن جهودنا محصورة في محور واحد، بل امتدت من ساحات العمل الإعلامي الميداني مع الأبطال في خطوط المواجهة، إلى الحراك المدني بأبعاده السياسية والثقافية والاجتماعية. كانت المعركة بالنسبة لنا شاملة، تتطلب وعياً، وصبراً، وتحملاً للمخاطر، وإيماناً عميقاً بأن العدالة لا تتحقق إلا بتكاتف الصادقين وإخلاصهم.

غير أن ما يثير الأسى أن هذه التضحيات لم تكن دائماً محل إنصاف. ففي مقابل العطاء الصادق، برزت مظاهر اختلال واضحة تمثلت في صعود أشخاص لم يبذلوا الجهد ذاته، ولم يخوضوا التجربة نفسها، لكنهم وجدوا أنفسهم في مواقع متقدمة، يحصدون ثمار عمل لم يشاركوا في زرعه. تبريرات كثيرة سُوقت لهذا الواقع؛ من المحسوبية والواسطة إلى تغليب المصالح الشخصية والدوائر الضيقة. وكلها ممارسات تعيد إلى الأذهان إرثاً ثقيلاً كنا نظن أننا تجاوزناه.

الحقيقة التي يحاول البعض حجبها عن الرأي العام هي أن ثمة فجوة تتسع بين من يضحون بصمت، ومن يتصدرون المشهد بلا رصيد حقيقي. وللأسف، يُستعان أحياناً بإعلام مأجور أو خطاب مضلل لتجميل الصورة وتمرير أجندات تخدم فئات محددة، لا يعكس حضورها حجماً حقيقياً من الجهد أو الأثر.

ندرك أن القيادة العليا تبذل ما في وسعها لتسخير الإمكانيات وتسيير الأعمال في مختلف القطاعات، وأن النية العامة تتجه نحو تمكين الكفاءات. لكن المشكلة تكمن في حلقات وسيطة تعترض مسار الاستحقاقات، وتمنع وصولها إلى أهلها بوسائل متعددة، بعضها إداري وبعضها قائم على النفوذ غير المبرر. وهنا يكمن الخطر الحقيقي، إذ تتحول الممارسات الفردية إلى نمط يهدد بنية المشروع بأكمله.

إن الظلم ظلمات، وأي تهاون في مواجهته يعني إعادة إنتاج أمراض الدولة القديمة بثوب جديد. لا يمكن الحديث عن بناء وطن قائم على العدالة الاجتماعية بينما تُكرّس في داخله ذات الممارسات التي ثار الناس ضدها. فالدولة الجديدة التي ننشدها لا تُبنى بالشعارات، بل بإرساء قيم الشفافية والمساءلة وتكافؤ الفرص.

نحن على العهد باقون، ماضون في طريق الإصلاح، لا تضعف عزيمتنا مظاهر الإقصاء ولا تحبطنا محاولات التهميش. قضيتنا عادلة، ومشروعنا مستمر في تفكيك منظومات الظلم أينما كانت، والعمل من أجل تأسيس دولة تقوم على العدالة والمساواة، وتعيد لكل ذي حق حقه، دون تمييز أو محاباة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!