رأي

حرب الكراهة (الكرامة): المحطة الأخيرة لتزييف الوعي

عباس احمد السخي

 

عباس احمد السخي 

منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تكشّف للسودانيين يوماً بعد يوم أن الرصاص لا يحمي وطناً، وأن الشعارات العالية لا تُطعم جائعاً ولا تُؤمّن خائفاً. ومع اتساع رقعة الدمار، برز خطابٌ يحاول إعادة تسمية الكارثة، وتغليفها بعبارات من قبيل “حرب الكرامة”، في محاولة واضحة لإلباس صراعٍ دمويٍّ عبثيٍّ ثوباً أخلاقياً زائفاً.

إن أخطر ما في هذه الحرب ليس فقط ما خلّفته من قتلى ونازحين وانهيار للخدمات، بل ما أنتجته من تزييفٍ للوعي. فحين يُعاد تعريف الحرب بوصفها “كرامة”، يصبح الاعتراض عليها خيانة، والدعوة إلى وقفها ضعفاً، والمطالبة بالتفاوض تفريطاً. هكذا تُختزل الوطنية في تأييد البندقية، ويُختزل الشرف في استمرار النزيف. هذا الانقلاب في المفاهيم ليس بريئاً، بل يخدم قوى سياسية فقدت حاضنتها الشعبية، وتسعى للعودة إلى المشهد عبر بوابة الحرب.

لقد لفظ الشعب السوداني مشروع الإسلاميين في ثورة ديسمبر المجيدة التي أطاحت بنظام عمر البشير عام 2019، حين خرجت الملايين تطالب بالحرية والسلام والعدالة. كانت تلك اللحظة إعلاناً واضحاً بأن زمن المتاجرة بالدين، واحتكار الوطنية، قد انتهى. غير أن بعض مكوّنات جماعة الإخوان المسلمين في السودان لم تستوعب الدرس، فبدلاً من مراجعة التجربة والاعتراف بالفشل، راهنت على الفوضى، ثم على الحرب، أملاً في إعادة تدوير خطابها القديم بصيغة جديدة.

تسمية الحرب بـ“الكرامة” ليست سوى محاولة لإعادة إنتاج ثنائية زائفة: إمّا أن تكون مع الحرب، أو ضد الوطن. لكن الحقيقة أكثر تعقيداً وأوضح في آنٍ معاً. فالوطن ليس بندقية، والكرامة لا تُبنى على أنقاض البيوت، ولا تُستعاد بتشريد الملايين. الكرامة الحقيقية هي في حماية المدنيين، وصون الدم السوداني، وإعلاء قيمة السياسة فوق صوت المدفع. أما تحويل الحرب إلى معركة وجودية، فهو خطاب تعبوي يستهدف البسطاء من النساء والرجال، ويستثمر في عاطفتهم الوطنية، لتجنيدهم في معركة لا تخدم سوى مشروع سياسي مأزوم.

إن أخطر ما في هذا الخطاب أنه يُصادر حق الناس في التفكير والنقد. فكل من يسأل: لماذا الحرب؟ من المستفيد؟ ما المخرج؟ يُتهم بالتخاذل أو العمالة. وهكذا تُغلق مساحات النقاش، ويُدفع المجتمع إلى استقطاب حاد، يذكّرنا بسنوات الانقسام التي سبقت سقوط النظام السابق. غير أن التجربة أثبتت أن تغييب العقل لا يصنع استقراراً، وأن قمع الأسئلة لا يُنتج شرعية.

الحرب الدائرة اليوم هي صراع على السلطة والنفوذ، مهما حاول البعض تغليفها بشعارات الشرف والكرامة. ومن حق السودانيين أن يرفضوا أن يكونوا وقوداً لهذا الصراع. لقد دفعت البلاد ثمناً باهظاً في العقود الماضية بسبب عسكرة السياسة، وتغوّل الأيديولوجيا على الدولة. فهل يُعقل أن نُعيد إنتاج المأساة ذاتها، ولكن باسمٍ مختلف؟

إن وقف الحرب والجلوس إلى مائدة التفاوض ليس هزيمة، بل هو انتصار للعقل. التفاوض لا يعني التسليم بالأمر الواقع، بل هو اعتراف بأن السلاح عاجز عن حسم الصراع دون تمزيق البلاد. وكل يومٍ تستمر فيه الحرب، تتآكل فيه الدولة، وتتعمق فيه الجراح الاجتماعية، وتتسع فيه رقعة الكراهية. لذلك فإن أي مسار جاد لوقف إطلاق النار، وفتح ممرات إنسانية، والبدء في عملية سياسية شاملة، يُعد خطوة أولى نحو استعادة المعنى الحقيقي للكرامة.

إن مشروع “حرب الكرامة” سيصطدم بحقيقة بسيطة: أن الشعب الذي أسقط نظاماً راسخاً لن يُخدع بسهولة بالشعارات ذاتها، ولو تبدّلت اللافتات. السودانيون الذين هتفوا للحرية والسلام والعدالة يدركون أن السلام ليس ضعفاً، وأن الحرب ليست قدراً. وعندما توقف الحرب على مائدة التفاوض، فستنكشف هشاشة الخطاب الذي حاول توظيفها سياسياً، وستكون تلك اللحظة بمثابة المحطة الأخيرة لفشل كل محاولة لإعادة إنتاج مشروعٍ رفضه الشعب بإرادته الحرة.

في نهاية المطاف، الكرامة ليست اسماً يُطلق على حرب، بل قيمة تُصان بحياة الناس، وبناء دولة مدنية عادلة، تُدار بالسياسة لا بالسلاح. أما الكراهة، فهي الوقود الحقيقي لهذه الحرب؛ وكلما طال أمدها، ازدادت المسافة بين الشعار والحقيقة. والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس: كيف ننتصر في الحرب؟ بل: كيف ننتصر للوطن بإنهائها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!