رأي

حين تتحول الصحافة إلى غسيل أوساخ السلطة: رشان أوشي نموذجاً

حسن عبد الرضي الشيخ

 

 حسن عبد الرضي

ليس أخطر على الوعي العام من نصٍّ متماسكِ الشكل، فاسدِ المضمون، يُكتب بلغةٍ رنّانة ليُهرَّب عبرها مشروعٌ سياسيٌّ متعفّن. وهذا بالضبط ما فعلته رشان أوشي في مقالها المعنون بـ«الرئيس البرهان والجمهورية الرابعة»؛ مقالٌ لا علاقة له بالصحافة، إلا بقدر ما لعصابة تزييف العملة علاقةٌ بالاقتصاد.

منذ السطر الأول، يتضح أن الكاتبة لا تكتب لتحليل الواقع، بل لتجميله، ولا لتنوير القارئ، بل لتخديره. تستعير تعريف ماكس فيبر لاحتكار الدولة للعنف المشروع، ثم تسكبه بلا خجل في جيوب سلطة هي النموذج الأوضح لانهيار هذا الاحتكار. أيُّ استهبالٍ أكبر من الحديث عن «العنف المشروع» في بلدٍ تمزقه المليشيات، وتُدار فيه الحرب بتحالفاتٍ غامضة، ويُستخدم فيه الجيش غطاءً لمشاريع الكيزان العابرة للدولة؟

رشان أوشي لا ترتكب خطأً مفاهيمياً بريئاً، بل تمارس تزويراً واعياً. فهي تفترض وجود «دولة» لتمنحها حق الاحتكار، بينما الحقيقة أن ما انهار في السودان هو الدولة نفسها، على يد المؤسسة التي تحاول الكاتبة تلميعها. لا يمكن لمن فشل في حماية العاصمة، وأشعل حرباً أهلية، وفتح البلاد لتدخلات إقليمية ودولية، أن يُقدَّم بوصفه حارس السيادة.

ثم تأتي الكذبة الكبرى، البلقاء في حديثٍ ظاهرِ التزوير عن الشارع، وكأن الشارع «هاملاً» يتحدث عنه كل من «هب ودب»، وتحتكر امتلاكه أقصر القامات، من ابن الحلمان البرهان إلى غسّالة وسخ الكيزان رشان. إذ تزعم الكاتبة «الخديج» أن المظاهرات «انفجار تلقائي للذاكرة الوطنية»، وأن البرهان «لم يطلب من أحد الخروج». هذا ليس تحليلاً، بل نكتة سمجة. الشارع الذي تتحدث عنه رشان هو شارعٌ مُصادَر، تُحرّكه أجهزة أمن، وتُدفع إليه فئاتٌ مسحوقة تحت التهديد أو الحاجة، بينما الشارع الحقيقي  شارع ديسمبر  قُتل، وسُجن، وهُجّر، وأُطلق عليه الرصاص باسم هذا الجيش نفسه.

تبلغ الوقاحة السياسية ذروتها حين تصف تلك التجمعات المصنوعة بأنها «نواة شرعية جديدة»، وتدعو لتحويلها إلى «حاضنة سياسية» للبرهان. هنا تسقط آخر ورقة توت: فالمقال ليس قراءة، بل مقترح سلطة. رشان لا تكتب كصحافية، بل كمستشارة علاقات عامة لنظامٍ مأزوم، تحاول إعادة تدوير العسكر في عبوةٍ جديدة اسمها «الجمهورية الرابعة».

أما الحديث عن أن البرهان «لن يكون نسخة من البشير»، فهذه قفزة بهلوانية في الهواء. البرهان ليس نسخة من البشير فقط، بل أحد نتاجه، وأحد حراسه، وأحد الذين أعادوا تمكين الكيزان إلى قلب الدولة بعد أن لفظهم الشارع. الفرق بينهما ليس في الجوهر، بل في الدرجة؛ أحدهما سقط، والآخر يتعثر فوق جثث البلاد.

اللغة التي تستخدمها رشان أوشي  لغة «الوعي الجمعي»، و«العقد الاجتماعي»، و«الرأسمال السياسي»  ليست سوى مساحيق فكرية لتغطية حقيقة واحدة: الترويج لحكم الفرد العسكري. هي ذات اللغة التي استخدمها كل منظّري الاستبداد حين ضاقت بهم الحجة، فاستعاروا قاموس الفلسفة لتبرير القمع.

والأكثر إثارة للسخرية حديثها عن «تحالفات زبائنية»، وكأن البرهان لم يحكم إلا بها، وكأن نظامه ليس تحالفاً فجّاً بين السلاح والمال والإسلام السياسي. تتحدث عن «بيئة سياسية جديدة»، بينما تعمل – مع منظمتها المتسلقة – تحت سمع وبصر أجهزة الأمن، لا همّ لها إلا إعادة إنتاج ذات النظام الذي أغرق البلاد في الدم.

رشان أوشي ليست صحافية مضلَّلة، بل جزء من ماكينة غسل الأوساخ. وظيفتها ليست البحث عن الحقيقة، بل إعادة تسويق القبح، وتقديم «خيال المآتة» البرهان في هيئة رجل دولة، بينما هو في الواقع واجهة مهترئة لنظامٍ يحتاج  قبل تغيير شكله إلى تغيير ملابسه الداخلية، وحفاظاته المبللة بقذارة ثلاثين عاماً من الكيزان.

هذا المقال ليس خطيراً لأنه كاذب فقط، بل لأنه مكتوب بإتقان. والخطر الحقيقي حين تُستخدم البلاغة لخيانة الحقيقة، وحين تتحول الصحافة إلى خادمة في بلاط السلطة، تمسح الدم عن الأرض بالكلمات.

وفي النهاية، ها قد بانت لحظة الحقيقة، ولا بد من قولها بوضوح:

من يبرر الاستبداد، ليس محللاً.

من يلمّع العسكر، ليس صحافياً.

ومن يزوّر وعي الشعوب، شريكٌ في الجريمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!