رأي

الجيش السوداني… وحشية مستمرة واستهداف ممنهج للمدنيين

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

من يزرع القتل بين البشر، لن يجد إلا صمت الضمير وصدى الدماء

في فصول مأساوية متكررة من تاريخ السودان، يظل الجيش السوداني منذ تأسيسه على أنقاض الإدارة الاستعمارية رمزًا للوحشية المنظمة واللؤم المستمر، بدلًا من أن يكون درعًا لحماية الوطن وحامية شعبه. من مجزرة معبر أديكون إلى جريمة السنوط، يتكرر المشهد ذاته: نساء، أطفال، كبار السن… دماء على الأرض، وأسر مفجوعة، وأعداد تتحول إلى أرقام في نشرات الأخبار، بينما يبقى الضمير الرسمي صامتًا، والعدالة غائبة.

المأساة الحقيقية ليست فقط في وقوع الجريمة، بل في كيفية إدارتها بعد وقوعها. بيان إدانة، تعبير عن الأسف، ثم صمت طويل. هكذا تُدفن الحقيقة قبل أن تُدفن الجثث، ويصبح الموت روتينًا مقبولًا، والإفلات من العقاب قاعدة متكررة.

هذه الجرائم لا يمكن مواجهتها بالشجب وحده. هي تحتاج إلى احترافية قانونية ومهنية عالية: توثيق دقيق لكل ضحية بالاسم والصورة، حفظ شهادات الشهود، جمع الأدلة، وفتح بلاغات رسمية لدى النيابة فورًا. ويجب دعوة المنظمات الحقوقية للوقوف على مسرح الجريمة، وبناء ملف قانوني متكامل لا يُترك للصدفة أو للعاطفة العابرة.

قتل مواطن واحد يجب أن يحرك الدولة كلها: مجلس وزراء، أجهزة عدلية، مؤسسات رقابية. فما بالك إذا كان الضحايا بالعشرات؟ وإذا كان بينهم أطفال لم يعرفوا من هذه البلاد سوى الخوف والدمار؟

الخطورة الأكبر ليست في الجريمة نفسها، بل في اعتيادها: أن نصبح أقل دهشة، أقل غضبًا، وأقل مطالبة بالعدالة، وأن ننتظر البيان الرسمي أكثر مما ننتظر الإجراءات القانونية الفعلية. العدالة لا تحتاج إلى بلاغة، بل إلى شجاعة فعلية. لا تحتاج إلى تعاطف لفظي، بل إلى دولة تتصرف كما لو أن كل ضحية هي ابنها أو ابنتها.

منذ التأسيس، شكل الجيش السوداني مسارًا دمويًا مستمرًا عبر تاريخ البلاد الحديث. بدلًا من حماية الوطن، تحول إلى أداة قمع وتنكيل، ومرتع للمتنفذين الذين استباحوا دماء المواطنين لتثبيت سلطتهم أو تصفية خصومهم. الانقلابات العسكرية المبكرة لم تكن مجرد تغيير للقيادة، بل كانت بداية لترسيخ عقلية تسلطية وإقصائية لدى النخب العسكرية، تحولت معها المؤسسة إلى طبقة نفوذ اقتصادي وأمني واسعة، ما غذى عقلية الافلات من العقاب واستباحة الدم المدني.

تاريخ الجيش السوداني ليس مجرد رواية رمزية، بل واقع ملموس من الوحشية المنظمة. في دارفور، تحولت الأدوات العسكرية إلى ميليشيات نفذت إبادة جماعية ممنهجة بحق مجموعات عرقية محددة، وأثارت تلك الفظائع اهتمام المحكمة الجنائية الدولية. ولم تقتصر الانتهاكات على مناطق النزاع التقليدية، بل امتدت إلى قمع المظاهرات السلمية في الخرطوم والولايات، حيث واجه المواطنون الرصاص بدلًا من الاستجابة لمطالبهم المشروعة بالحرية والعدالة.

وحشية القيادة العسكرية تتجلى في سعي القادة للسلطة المطلقة وإلغاء أي مساءلة. القرارات المصيرية بشأن الحرب والسلام أو تقسيم الثروة تُتخذ بعيدًا عن المؤسسات المدنية، مما يضمن استمرار الإفلات من العقاب. هذه العقلية خلقت ثقافة مؤسسية تدعم الانتهاك، حيث يصبح القائد فوق القانون، وحياة المواطن رخيصة مقارنة بمصالح المؤسسة.

غياب الضمير الدولي يفاقم الأزمة، إذ ظل المجتمع الدولي مترددًا، محافظًا على التوازنات الإقليمية الهشة بدلًا من محاسبة مرتكبي الجرائم، ما منح القادة العسكريين ضوءًا أخضر لمواصلة سياساتهم الدموية.

وفي هذا السياق، يمثل عبد الفتاح البرهان نموذجًا صارخًا للعقلية العسكرية السفاحة التي تفضل البقاء في السلطة على حماية شعبها، متجاهلة نداءات العدالة الدولية والإنسانية. بعد إسقاط نظام البشير، انقلب البرهان على المدنيين، وأصبح الجيش طرفًا أساسيًا في النزاعات، مساهماً في نزوح الملايين، انهيار البنية التحتية، وتدمير الاقتصاد.

معارك الخرطوم والمدن الأخرى اتسمت بانتهاكات جسيمة شملت استهداف المدنيين، النهب المنظم، واستخدام الأسلحة الثقيلة في مناطق سكنية مكتظة. هذه الأفعال تذكّر بأسوأ فصول تاريخ الجيش، وتضع صورة قاتمة لعقلية المؤسسة التي ترى في دم شعبها مجرد وسيلة لتحقيق البقاء في السلطة.

كما يقول سقراط: “العدل أساس المجتمع، والظلم أساس الفوضى”.

السودان اليوم بحاجة إلى دولة تحمي شعبها قبل أن يدفن أبناؤه على الأرض، دولة تفعل أكثر مما تقول، دولة تعيد للدم قيمة الإنسان، وتعيد للعدالة مكانتها المفقودة في أرض تتعرض أبناؤها للقتل والتهجير بلا رقيب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!