
آدم موسي عبد الله
في الحروب تُستعمل مفردات كثيرة لتخفيف وطأة الحقيقة: اشتباكات، عمليات، أهداف عسكرية. كلمات تُقال لتأطير العنف داخل سياق يبدو منظمًا أو مفهومًا. لكن حين يُقتل مدني داخل مخيم لجوء، تسقط هذه المفردات دفعة واحدة، ويتعرّى المشهد من أي غطاء لغوي أو تبرير سياسي. فالمخيم هو الملاذ الأخير؛ المكان الذي يهرب إليه الإنسان اتقاءً للموت، لا انتظارًا له.
ما جرى في السنوط لم يحدث في ساحة مواجهة، بل في موضع أُنشئ أصلًا لحماية الفارين من القتال. وهذه الحقيقة وحدها كافية لتكشف فداحة المأساة. فالضحايا لم يكونوا طرفًا في تبادل نيران، ولم يكونوا جزءًا من معركة، بل كانوا يحاولون النجاة بأرواحهم. وعندما تُستهدف تجمعات اللجوء، تتحول الحرب من صراع مسلح بين أطراف متقاتلة إلى عقاب مباشر للضعفاء، ويفقد العنف أي ادعاء بأنه مواجهة عسكرية مشروعة.
غير أن المأساة لا تقف عند لحظة القصف ذاتها. ثمة مأساة أخرى توازيها خطورة: صمتٌ يحيط بالمشهد. صمت إعلامي يمرّ على صور الضحايا ببرود، كأنها تفصيل عابر في يوم مزدحم بالأخبار. الحياد هنا لا يعود موقفًا مهنيًا، بل يتحول إلى قسوة مضاعفة. فالضحايا لا يُقتلون مرة واحدة، بل يُقتلون ثانية حين تُختزل قصصهم في أرقام، أو تُهمّش إنسانيتهم في سردٍ باهت.
وتتجلى المعضلة أكثر في ازدواجية المواقف الدولية؛ إدانات مدوية في ساحات معينة، وصمت ثقيل حين يكون الضحايا بعيدين عن دوائر الاهتمام. غير أن الشعوب تحتفظ بذاكرتها الجمعية، ولا تنسى من رأى ومن تجاهل. ومع مرور الزمن، يتحول هذا التباين إلى فجوة ثقة عميقة بين الناس والعالم الذي يعلن دفاعه عن الإنسان وحقوقه.
التاريخ يُظهر أن الجرائم الواقعة على المدنيين، خصوصًا داخل أماكن اللجوء، لا تختفي. قد تتأخر العدالة، وقد تتعثر، لكنها تتكوّن ببطء في وعي المجتمعات. الألم يتحول إلى رواية، والرواية إلى مطالبة، والمطالبة إلى مسار طويل من المساءلة. والرهان على النسيان رهان خاسر؛ فالإنسان قد يرهقه الحزن، لكنه لا ينسى أين سقط أحباؤه.
السنوط اليوم ليست مجرد نقطة على الخريطة، بل شاهد على لحظة انكسار عميقة، حين لم يُقصف موقع جغرافي فحسب، بل قُصف معنى الأمان ذاته. وستبقى ذكراها أكثر من واقعة عابرة؛ ستظل قضية تبحث عن اعتراف كامل بالحقيقة، وعن عدالة تُعيد الاعتبار للضحايا وتردع تكرار المأساة.
الرحمة للشهداء، والصبر لأسر الضحايا وكل المتضررين.
فالألم قد يطول، لكن الحق وإن تأخر لا يُدفن.




