رأي

رسالة إلى الفريق محمد حمدان دقلو حول تحديات مشروع التحول ومؤامرات إضعافه

سهيبه مريش : نيالا 

 

سهيبه مريش : نيالا 

إلى الفريق محمد حمدان دقلو، قائد ثورة المهمشين، تُوجَّه هذه الرسالة التي تنبع من عميق القلق على المسار الذي رسمته دماء أبناء الهامش، وهو مسار يهدف إلى تحقيق التحول المنشود في البلاد. لقد كانت ثورتكم نقطة تحول فارقة، حملت آمال قطاعات واسعة، خاصة تلك التي طالما عانت التهميش والإقصاء. ومع ذلك، فإن الطريق إلى التحول ليس مفروشاً بالورود، بل يكتنفه كمائن ومؤامرات تحاك في الخفاء، تستهدف تقويض هذا المشروع العظيم من جذوره. إن التحدي الأكبر الذي يواجهنا اليوم لا يكمن فقط في مواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية الخارجية، بل في التصدي للخطر الداخلي المتمثل في سعي البعض، حتى ممن يفترض أنهم جزء من مشروع التحول، إلى إفشاله عمداً.

الملاحظ أن هناك تيارات داخلية بدأت تعمل بجدية لإعاقة مسيرة التحول. الغرض الأول والأساسي لهذه الجهات هو إجهاض المشروع عبر استهداف الكوادر الفاعلة والمؤهلة، لا سيما تلك التي تشغل مواقعها في مؤسسات الحكم المدني والإداري. هؤلاء الموظفون، الذين يمثلون النخبة القادرة على تطبيق رؤى التغيير وتحقيق الأهداف التنموية، يتعرضون لحملة ممنهجة تهدف إلى إبعادهم وتهميش دورهم. إن تضييق الخناق على هؤلاء الكوادر ليس عملاً عشوائياً، بل هو خطة محكمة لإفراغ مشروع التحول من محتواه البشري القادر على إنجاز المهام المعقدة.

الأوضاع التي يمر بها الموظفون الحكوميون اليوم هي دليل صارخ على هذا التخطيط المدبر. لقد وصلت ظروف العاملين في مؤسسات الدولة إلى أسوأ أحوالها، بطريقة لا يمكن تفسيرها إلا بأنها مقصودة من جهات نافذة تسعى لضرب المشروع من الداخل. تتمثل هذه الممارسات في تأخير المستحقات، خلق بيئة عمل متوترة، وإحاطة العاملين بالإحباط والشكوك حول مستقبلهم ومستقبل المشروع الذي يخدمونه. عندما يعاني الموظف المجتهد من تدهور مادي ومعنوي غير مبرر، فإن دافعيته تتآكل، وهذا يصب مباشرة في مصلحة المعرقلين الذين يريدون رؤية أداء حكومي ضعيف وغير فعال. هذا الضعف المصطنع يستخدم لاحقاً كذريعة للتشكيك في جدوى التغيير برمته.

يكمن جوهر المؤامرة في آلية الهيمنة واختلاق الأزمات المصطنعة. تحاول هذه الجهات فرض سيطرتها عبر تكتيكات إدارية وسياسية تهدف إلى شل حركة الكفاءات الجديدة أو الملتزمة بالتحول. يتم ذلك عبر خلق تعقيدات بيروقراطية غير ضرورية، وتوزيع المهام بشكل يخدم أجندات الإعاقة، أو حتى اللجوء إلى افتعال أزمات مالية وإدارية يتم تحميل مسؤوليتها زيفاً على أداء الكوادر المستهدفة. الهدف النهائي هو خلق حالة من الفوضى الإدارية التي تبرر إبعاد هذه الكوادر الفاعلة وترك الساحة للموالين لمن يسعون لتعطيل الإصلاح.

إن مشروع التحول العريض، الذي تدعمه دماء أهل الهامش وتضحياتهم، مشروع أكبر من أن يتركه هؤلاء المثبطون والناهبون للفرص يدمرونه من الداخل. هذه الدماء التي رُويت بها الأرض هي الأمانة التي يجب الحفاظ عليها، والتحول هو الوعد الذي قُدم للمهمشين الذين حاربوا طويلاً من أجل نيل حقوقهم المشروعة في العدالة والمشاركة. إن استهداف الكوادر العاملة اليوم هو استهداف مباشر لأحلام هؤلاء الناس، وإضعاف للحكومات المدنية التي تمثل الواجهة الأساسية لهذا التحول الديمقراطي والخدمي.

لذا، فإن هذه الرسالة تتوجه إليكم، سيادة الفريق، بصفتكم القائد الذي يمثل صوتاً مهماً للتحول، والقائد الذي يحمل ثقل المسؤولية التاريخية تجاه هذه الثورة. يجب إدراك أن الصمت على هذه الممارسات الداخلية قد يؤدي إلى تآكل الدعم الشعبي للمسار الانتقالي ويمنح الفرصة للقوى المعادية للتحول لنسف المكاسب التي تحققت بصعوبة بالغة.

إن الحل يتطلب تدخلاً حاسماً وشاملاً. نأمل أن تصل هذه الرسالة إلى رئيس حكومة التأسيس، الذي يقع على عاتقه مسؤولية إنفاذ التغيير الفعلي. يجب فتح تحقيق شفاف في أسباب تدهور ظروف الموظفين، خاصة في القطاعات التي يُتوقع منها قيادة دفة التنمية والتنفيذ. يجب وضع حد لآلية الهيمنة التي تستخدمها الجهات النافذة لعرقلة عمل الكوادر الملتزمة، وضمان حماية العاملين المخلصين للمشروع من أي إجراءات انتقامية أو عقابية تهدف إلى إقصائهم.

إن تقديم الحلول الشاملة لا يقتصر على الجانب المالي للموظفين فحسب، بل يشمل إعادة هيكلة سريعة لضمان أن الكفاءات هي المعيار الأساسي للتمكين والمسؤولية، وليس الولاءات الضيقة أو الحسابات الشخصية الضيقة. يجب أن يرى أهل الهامش والمواطنون أن الحكومة تعمل بجدية لحماية ثورتهم من الداخل، وأن المؤسسات التنفيذية مصفاة من المعرقلين.

إن نجاح مشروع التحول مرهون بقدرتنا على حماية أهدافه من الاختراق الداخلي. إن المعركة الحقيقية الآن هي معركة الإرادة والإخلاص داخل مؤسسات الدولة. نأمل أن يلتقط الفريق محمد حمدان دقلو هذه الإشارات التحذيرية، وأن يتم توجيه الجهود نحو حماية الطاقم الإداري والمدني الذي يحمل على عاتقه مهمة ترجمة تضحيات الثورة إلى واقع ملموس ومنجزات مستدامة تخدم جميع أطياف الشعب السوداني. حفظ الله مساعي الخير ووفقكم لتحقيق الأماني التي خرجنا من أجلها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!