
إيمان بدر الدين
التاريخ لا يُكتب بالشعارات، بل بالوقائع التي تصمد أمام الأسئلة
أثار توصيف قوات الدعم السريع بـ“عرب الشتات” جدلاً واسعًا في الساحة السودانية، ليس فقط لحمولته السياسية، بل لما يحمله من دلالات اجتماعية وثقافية تمس سؤال الهوية والانتماء. غير أن هذا الجدل لا يمكن فصله عن سياقه الأوسع: كيف تشكّلت بنية المليشيات في السودان؟ ومن الذي أسس لسياسة التجنيس والاستنفار وتسييس الهويات على مدى العقود الماضية؟
من المعروف أن قضايا الهجرة والتداخل القبلي بين السودان ودول الجوار ليست ظاهرة حديثة، بل تمتد جذورها إلى قرون طويلة من الحركة السكانية الطبيعية عبر حدود لم تكن في السابق مرسومة بالشكل الذي نعرفه اليوم. كما أن مسألة الانتماء العربي والإسلامي شكلت، لعقود، جزءًا من الخطاب الثقافي والاجتماعي لغالبية السودانيين، الذين يرون في ذلك امتدادًا تاريخيًا لا يتناقض مع هويتهم الوطنية.
غير أن الجدل يأخذ بعدًا مختلفًا حين يُستدعى في سياق سياسي لتوصيف فئة بعينها ونزع شرعيتها الوطنية. فقد تداولت الأوساط السياسية، لسنوات، تصريحات منسوبة إلى قيادات إسلامية بارزة—من بينها الراحل الدكتور حسن الترابي—حول سياسات التجنيس التي انتهجتها حكومة الإنقاذ، وما قيل عن إدخال أعداد كبيرة من القبائل المشتركة ومنحهم الجنسية السودانية. سواء اتفق المرء أو اختلف مع تلك السياسات، فإنها كانت جزءًا من مشروع سياسي تبنّته السلطة آنذاك، ولم تكن سرًا خافيًا داخل دوائرها.
من هنا يبرز سؤال جوهري: إذا كانت سياسات التجنيس قد تمت برعاية الدولة نفسها، فكيف يُعاد اليوم توظيف خطاب “الوافدين” و“عرب الشتات” كأداة للوصم السياسي؟ أليس في ذلك تناقضٌ مع سرديات سابقة تبنّتها قوى الحكم ذاتها؟ بل إن بعض الخطاب الإسلامي كان يذهب إلى أن الهجرة والتداخل السكاني سِمة تاريخية في السودان، وأن الانتماء العربي والإسلامي ممتد عبر قرون، فلماذا يصبح الأمر إشكاليًا حين يتعلق بخصم سياسي؟
الأزمة في السودان، في جوهرها، لم تكن يومًا أزمة أصولٍ وأنساب، بل أزمة سلطة وإدارة دولة. فالمليشيات بمختلف مسمياتها لم تنشأ من فراغ، بل وُلدت في سياقات سياسية محددة، حين اختارت الدولة أن تعتمد على قوى موازية للمؤسسة العسكرية التقليدية لتحقيق أهداف أمنية أو سياسية. ومن الجنجويد إلى المستنفرين، ومن لجان المقاومة المسلحة إلى القوات المشتركة، ظل منطق التسليح خارج الإطار المؤسسي الرسمي سمة متكررة في إدارة الصراع.
إن صناعة المليشيات لم تكن حدثًا عابرًا، بل سياسة منهجية ارتبطت بمرحلة حكم المؤتمر الوطني وتحالفاته، حيث جرى توظيف البنية القبلية والاجتماعية في الصراع المسلح. ومع تغير التحالفات، تغيرت المسميات، لكن جوهر الأزمة بقي واحدًا: عسكرة السياسة، وتسييس السلاح، وإضعاف احتكار الدولة المشروع للقوة.
وفي خضم هذا المشهد المعقد، يصبح تحميل طرف واحد كامل المسؤولية تبسيطًا مخلًا لتاريخ طويل من التداخلات. فالجيش، والقوى السياسية التي حكمت باسمه أو تحالفت معه، والقوى التي انشقت عنه أو واجهته، جميعها شاركت بدرجات متفاوتة في تشكيل واقع أمني هشّ، دفع ثمنه المدنيون قبل غيرهم.
أما النقاش الدائر حول بعض الشخصيات الإعلامية والسياسية—مثل سناء حمد—فينبغي أن يُدار بمعايير موضوعية. فالانتقال من خطاب جماهيري إلى حوار مباشر على الهواء يتطلب أدوات تحليلية ومعرفة دقيقة بالتاريخ السياسي، لكن النقد، إن كان مشروعًا، ينبغي أن يظل في إطار الفكرة لا الشخص، وفي حدود التقييم الموضوعي لا الشخصنة.
إن التحدي الحقيقي أمام السودانيين اليوم ليس في تبادل الاتهامات حول من هو “أصيل” ومن هو “وافد”، بل في تفكيك البنية التي جعلت السلاح أداة السياسة الأولى. فالدولة التي تسمح بتعدد مراكز القوة المسلحة تفتح الباب لصراعات لا تنتهي، وتضع نفسها رهينة لتحالفات متبدلة.
العدالة، إن أُريد لها أن تكون حقيقية، يجب أن تشمل كل من تورط في صناعة هذا الواقع من خطط، ومن موّل، ومن سلّح، ومن حرّض. فلا أحد فوق المساءلة، ولا يمكن بناء مستقبل مستقر على إنكار الماضي أو إعادة صياغته وفق مقتضيات اللحظة.
ختامًا، إن السودان بحاجة إلى مراجعة شاملة لسردياته السياسية، بعيدًا عن الاستقطاب الحاد. فالهويات المتداخلة ليست لعنة في ذاتها، بل قد تكون مصدر ثراء إذا أُديرت في إطار دولة قانون ومواطنة متساوية. أما الاستمرار في توظيفها كسلاح في معارك السلطة، فلن ينتج سوى مزيد من الانقسام.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل نمتلك الشجاعة للاعتراف بأن الأزمة أعمق من شعار، وأن الطريق إلى العدالة يبدأ بإعادة تعريف الدولة نفسها، لا بإعادة توزيع الاتهامات؟




