
نجم الدين دريسة
حين تتحرك القيادات الكبيرة، فإنها لا تسافر لمجرد الزيارات البروتوكولية، بل تحمل معها همّ الوطن ورؤية المرحلة وثقل المسؤولية. وصول فخامة رئيس المجلس الرئاسي القائد محمد حمدان دقلو إلى العاصمة الأوغندية كمبالا لم يكن حدثًا عابرًا في أجندة سياسية، بل محطة مفصلية تعكس بوضوح أن السودان الجديد يتحرك بثقة في فضائه الإقليمي.
لقد أثبت حميدتي، خلال هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ السودان، أنه رجل دولة بامتياز، يمتلك حسًّا سياسيًا عاليًا وقدرة على قراءة المشهدين الإقليمي والدولي بوعي عميق. وفي ظل تعقيدات حرب الخامس عشر من أبريل وتداعياتها الإنسانية والسياسية، يبرز تحركه الخارجي كرسالة واضحة مفادها أن السودان ليس معزولًا، وأن قيادته تعمل بفاعلية لإعادة بناء جسور التواصل والتعاون.
الوفد الرفيع الذي رافق فخامته إلى كمبالا يعكس حجم الجدية والاهتمام الذي توليه القيادة لهذه الزيارة. مشاركة قيادات سياسية وتنفيذية على أعلى المستويات تؤكد أن المجلس الرئاسي يعمل بروح الفريق، وأنه يمضي في مسار مؤسسي يضع مصلحة البلاد فوق كل اعتبار. وهذا في حد ذاته تطور مهم في إدارة الدولة، يبتعد عن الفردية ويؤسس لعمل جماعي منظم.
ما يميز حميدتي في هذه المرحلة هو قدرته على الجمع بين الحزم والمرونة، بين القيادة الميدانية والرؤية السياسية. فقد انتقل من مربع الصراع الداخلي إلى مربع التحرك الدبلوماسي الفاعل، واضعًا نصب عينيه هدفًا واضحًا: تثبيت الاستقرار وبناء شراكات إقليمية تخدم الشعب السوداني. وهذه نقلة نوعية تعكس نضجًا سياسيًا ومسؤولية وطنية عالية.
زيارة كمبالا تحمل أبعادًا استراتيجية، فالعلاقات السودانية الأوغندية تمثل بوابة مهمة للتكامل الإقليمي في شرق ووسط أفريقيا. ومن هنا تأتي أهمية اطلاع القيادة الأوغندية على تطورات الأوضاع في السودان، خاصة في الجانب الإنساني، بما يعزز فرص التعاون والتنسيق المشترك لمعالجة التحديات الراهنة.
لقد أصبح واضحًا أن حميدتي لا يتحرك بردود الأفعال، بل وفق رؤية متكاملة تسعى لإعادة صياغة دور السودان في محيطه الإقليمي. إنه يدرك أن قوة الدولة لا تُقاس فقط بما تملكه داخليًا، بل بما تبنيه من علاقات خارجية متينة قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
في كمبالا، لم يصل قائد عادي، بل وصل رجل مرحلة يحمل على عاتقه مسؤولية إعادة ترتيب المشهد السوداني سياسيًا وإنسانيًا. وبينما تتعالى الأصوات وتتشابك المواقف، يبقى التحرك العملي هو الفيصل. وحميدتي، بحضوره وثقله وتحركاته المدروسة، يبرهن مرة أخرى أنه يمضي بالسودان نحو أفق جديد، عنوانه الشراكة والاستقرار وبناء الدولة على أسس أكثر رسوخًا.




