رأي

السلطة حين تُميِّز

فاطمة لقاوة

 

فاطمة لقاوة

خلال الأيام الماضية، أستمع السودانيون إلى خطابين لرجلين ظلا في قلب العاصفة السياسية والعسكرية التي تضرب البلاد منذ حرب 15 أبريل.

خطابان لا يمكن فصلهما عن سؤالنا من إنهيار الدولة، ولا عن جرح التمييز المزمن الذي ظل يتغذّى على السلطة ويعيد إنتاج نفسه في كل مرحلة إنتقالية.

الخطاب الأول كان لـ محمد حمدان دقلو (حميدتي)، رئيس المجلس الرئاسي لحكومة السلام، ورئيس تحالف “تأسيس”، وقائد قوات الدعم السريع، أمام الجالية السودانية في أوغندا.

خطاب مطوّل، مباشر، قارب الساعة الكاملة، ظهر فيه لأول مرة أمام الكاميرات بعد سنوات الحرب التي قاربت الثلاثة أعوام.

بدت لغته عقلانية، مطمئنة لمؤيديه، أعادت بث الثقة والأمل في نفوسهم، وأكدت إكتمال مسار التغيير بثبات وصدق.

أما الخطاب الثاني فكان لـ عبد الفتاح البرهان، قائد سلطة الأمر الواقع في بورتسودان، التي إستحوذت على إسم الجيش والدولة.

خطاب إرتجالي، عشوائي الإيقاع، أمام جمهور أنهكته الحرب،أظهر – في نظر كثيرين – إرتباكاً في الرسالة وتناقضاً في المخاطبة، لا سيما حين حاول الإمساك بخيوط متعارضة بين قوى شبابية سلمية وأخرى إسلامية خاضت معه الحرب.

خرجت أصوات متذمّرة ضد البرهان، و ساد شعور عند داعمي معسكره بأن الخطاب لا يراعي فروقات قواعده ولا يعترف بتعقيد اللحظة.

بعيداً عن التقييم السياسي للرجلين ، فإن ما يكشفه الخطابان أعمق من صراع سلطة؛ إنه صراع حول من يملك تعريف الدولة، ومن يملك حق الإنتماء إليها دون تمييز.

قبل أيام، حكى لي صديق يحمل الجنسية الأمريكية قصة تختصر الفارق بين التمييز كخطيئة بشرية، والتمييز كأداة سلطة.

قال إنه كان في مصعد فترددت سيدة بيضاء في الدخول لأن بشرته سوداء، فمد يده وجذبها بلطف إلى الداخل، وظل ممسكاً بيدها حتى وصل، ثم قال لها: “أنا أسود البشرة، لكنني لست آكل لحوم البشر لتخافي مني”.

في تلك القصة سخرية مُرّة من خوفٍ متجذّر، لكنها أيضاً شهادة على أن التمييز – وإن وُجد – تُقيّده قوانين تحمي الجميع.

أما في السودان، فالمأساة ليست في وجود التمييز، بل في إقترانه بالسلطة،عندما يتحول اللون، والقبيلة، والإنتماء الجغرافي، والولاء السياسي، إلى معايير للترقي أو الإقصاء،و تصبح الدولة نفسها أداة فرز لا مظلة عدل.

هذا التمييز المفرط هو الذي شطر الأحزاب السياسية إلى كيانات هشة، ومزّق الحركات المسلحة التي خرجت أصلاً إحتجاجاً على هيمنة المركز، وأجهض الثورات الشعبية التي التف حولها الشعب أملاً في دولة المواطنة،وهو ذاته الذي قاد إلى حرب 15 أبريل، حين تداخلت الإمتيازات التاريخية مع صراع السلاح، فصار الوطن ساحة تصفية حسابات بين مراكز قوة متنافسة.

صحيح أن خطاب محمد حمدان دقلو قدّم نفسه منحازاً للمهمّشين، منصفاً للمرأة السودانية، مطمئناً لقواعده، ومؤكداً على العدالة،غير أن النوايا الحسنة – إن وُجدت – لا تكفي.

محاربة التمييز لا تتم بالخطب، بل بتشريعات صارمة، ومؤسسات مستقلة، وقوانين تحمي الأفراد،والمجتمعات والكوادر داخل أي كيان سياسي من الإستبعادوالإقصاء،

العدالة ليست شعوراً، بل نظاماً.

خطاب عبد الفتاح البرهان – بما حمله من إشارات متضاربة – يعكس أزمة نخبٍ إعتادت إدارة الدولة بمنطق الإمتياز لا بمنطق المواطنة،الكراهية والتمييز ليسا انزلاقاً عارضاً في خطاب بعض أصحاب السلطة؛ بل كثيراً ما يكونان وقود البقاء في الكرسي، وعبرهما يُعاد إنتاج الخوف والإنقسام لضمان الولاء.

لن تستقيم الحال في السودان ما لم يُكسر هذا النمط التاريخي: نمط التمييز المقرون بالسلطة،ذاك الذي يُقصي أصحاب العقول المنتجة، ويهمّش من ضحّوا بأنفسهم ومستقبلهم من أجل القضية، بينما يتصدر المشهد من غابوا ساعة التضحية وحضروا ساعة الحصاد.

الدولة التي نحلم بها ليست دولة تمييز مفرط مقرون بالسلطة، ولا دولة شُلليات ؛ بل دولة قانون.

دولة تُجرّم التمييز صراحة، وتفصل بين النفوذ والحقوق، وتُخضع الجميع – حكاماً ومحكومين – لمعيار واحد هو: المواطنة.

نحن أما خيارين لا ثالث لهما:إما أن نسنّ قوانين تكف جماح التمييز حين يلبس ثوب السلطة، أو نظل ندور في الحلقة ذاتها، تتبدل الوجوه وتبقى العلّة.

السودان لا يحتاج إلى خطيبٍ مفوّه، ولا إلى قائدٍ يرتجل؛ بل إلى عقدٍ إجتماعي جديد، يُطفئ نار الإمتياز، ويؤسس لعدالة لا تُجزّأ.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!