
بروفيسور عبدالرحمن العمرابي
المشهد السوداني يتجه، في تقديري، إلى استمرار الاستنزاف العسكري دون حسم قريب، مع اتساع فجوة الدولة وتآكل مركزها السياسي. لا أحد من أطراف الحرب قادر على تحقيق نصر شامل، ولا المجتمع الدولي مستعد لفرض تسوية قسرية؛ لذلك سيبقى المخرج الحقيقي سياسيًا لا عسكريًا. غير أن الخطر الأكبر ليس في طول الحرب، بل في غياب بديل مدني مقنع للداخل ومفهوم للخارج.
المعادلة القادمة لن تُبنى على ادعاء التمثيل الحصري، لأن هذا الطرح لم يعد مقبولًا لدى القوى الدولية الفاعلة ولا لدى الكتلة الصامتة داخل السودان. تقديم أي جسم باعتباره “الممثل الأوحد للمدنيين” يصطدم بواقع تعددي لا يمكن مصادرته. المرحلة تتطلب جبهة مدنية عريضة تُصاغ بعناية، تُخاطب العالم بلغة المصالح والاستقرار، وتتحرك ضمن مسار دبلوماسي 1.5 يجمع بين الفاعلين غير الرسميين وصناع القرار، مع توسيع التواصل مع الأوروبيين والولايات المتحدة دون الإخلال بتوازنات الرباعية، خصوصًا الولايات المتحدة والإمارات، باعتبارهما عنصرين حاسمين في أي تسوية مقبلة.
ضمن هذا الإطار يمكن طرح مبادرة “70/30” بصياغة دبلوماسية دولية احترافية تفتقر إليها أطراف الحرب وبعض القوى المدنية على السواء، وهي صيغة انتقالية واقعية تمنح الغلبة المؤسسية للمدنيين مع مراعاة التعقيدات الأمنية في مرحلة انتقالية محدودة الأجل، بما يحقق وقف الحرب وإعادة بناء الدولة على أسس مدنية لا مركزية تحفظ وحدة البلاد وتطمئن الأقاليم. هذا الطرح يتماشى مع مسار تأسيس، وإن كان من المتوقع أن يواجه معارضة ممن يسيطرون على القرار داخله، كما أنه ينسجم في جوهره مع دعوة صمود إلى توحيد المدنيين، لكنه يستبعد الوجوه ذاتها التي ارتبطت بالاستقطاب الحاد، وهي الأوجه التي ستسعى إلى تقويض أي مسار جديد لأنها تدرك أن المرحلة القادمة تبحث عن خطاب مختلف ووجوه جديدة.
في الوقت ذاته، هذا المسار لا يقوم على الإقصاء، بل يقدم ضمانات قانونية انتقالية للأفراد الذين يعيقهم الخوف من المحاسبة عن الانخراط في تحول مدني، عبر مقاربة عدالة متدرجة تفصل بين المسؤولية الجنائية الفردية وبين الانتماء المؤسسي، بما يفتح الباب أمام الاستقرار دون إفلات مطلق من المساءلة. لذلك فهو يتناسب أيضًا مع من يُصنَّفون انقلابيين، لأنه يتيح لهم مخرجًا آمنًا ضمن عملية انتقال منضبطة بدل الارتهان لدائرة الصراع المفتوح.
من سيدعم هذا الطرح داخليًا وخارجيًا سيكون في مقدمة المشهد، لأن الشرعية القادمة لن تُقاس بكثافة الشعارات، بل بقدرة أي مشروع على إقناع العواصم المؤثرة والشارع السوداني معًا بأنه البديل الممكن والآمن. الواضح أن المزاج العام — داخليًا ودوليًا — يتجه نحو البحث عن وجوه جديدة، قادرة على مخاطبة العالم بلغة مسؤولة، ومخاطبة السودانيين بلغة جامعة.
السودان اليوم لا يحتاج إلى إعادة تدوير الصراع ولا إلى إعادة إنتاج الأسماء ذاتها، بل إلى إعادة تعريف مركز القرار المدني نفسه. ومن يفهم أن اللحظة لحظة انتقال هادئ لا تصفية حسابات، ولحظة بناء لا كسر، هو من سيصوغ المرحلة. أما من يراهن على إفشال كل جديد حفاظًا على موقع قديم، فسيكتشف أن الزمن السياسي قد تجاوزه. التاريخ لا ينتظر المترددين، والفرص الوطنية لا تتكرر كثيرًا.



