رأي

الكيزان… سرطان السودان القاتل

نجم الدين دريسة

من أين جاء هؤلاء؟ سؤال خلّده الأديب الكبير الطيب صالح، وهو سؤال ما زال يتردّد في وجدان السودانيين منذ أن قفزت جماعات الهوس الديني إلى سدّة الحكم بانقلابها المشؤوم الذي وقع في ليلٍ بهيم، ليجرّ البلاد إلى أعمق هوّة عرفتها منذ الاستقلال. لقد كانت سنوات حكم الإسلامويين مرادفًا للخراب والدمار، حيث استشرى الفساد بلا حدود، وضُربت قيم الحرية والكرامة عرض الحائط، وأُهدرت ثروات البلاد، وتحوّل السودان إلى مسرح للحروب العبثية، بينما شوّهوا صورة الإسلام السمحة، فحوّلوه من رسالة رحمة وعدل إلى أداة بطش واستبداد. كانت تلك الحقبة بحق الأسوأ في تاريخ السودان، حتى أن وطأتها فاقت في قسوتها عهود الاحتلال الأجنبي.

أقام الإسلامويون سلطانهم على وهم أنهم “ظل الله في الأرض”، وهو زعم لا يحمل إلا البطلان والفجور في آن واحد. لقد قدّموا أسوأ تجربة حكم عرفها التاريخ الإنساني، تجربة أُغرقت في الدماء، وزُيّنت بالشعارات الكاذبة، لكنها في جوهرها لم تكن سوى مشروع للسلطة المطلقة والنهب المنظم باسم الدين. لم يكتفوا بجرائم الماضي، بل لا يزالون يسيرون على ذات النهج، يشعلون الحروب، ينهبون الموارد، ويزرعون الكراهية والفتن، غير عابئين بدماء الأبرياء ولا بمصير الأوطان. هم بحق “إخوان الشيطان” الذين ملأوا الدنيا صخبًا وزيفًا، بينما حملت تجربتهم البائسة كل دلالات الفشل والجنون السياسي.
والحال هكذا، أن من يعرف جوهر الإسلام يدرك أنه دين يقوم على الحرية والعدالة والشورى والمساواة؛ هو دين يفتح أبواب الاختيار حتى في صميم الإيمان ذاته: فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. هذه القيم السامية هي ما تبنّته الدولة الحديثة في فكرة المواطنة كأساس للحقوق والواجبات، وهو ما يضعنا في مواجهة صريحة مع مشروع الإسلامويين الذي ربط الدين بالسلطة، وأدخل البلاد في نفق مظلم من القمع والاستبداد. إن ما ارتكبوه من فظائع يظل وصمة عار على جبين التاريخ، دماءً سالت، وأوطانًا تمزّقت، وأرواحًا أزهقت بلا ذنب.
اليوم، تقف بلادنا على أنقاض مشروعهم الدموي، وما الحرب الكارثية الراهنة إلا حلقة أخرى في مسلسلهم الإجرامي لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، والانقضاض على ثورة الشعب المجيدة. لقد حاولوا مرارًا وأد إرادة الجماهير وإعادة إنتاج سلطتهم على جثث الأبرياء. غير أن التاريخ لن يرحم، ولن يغفر؛ فجرائم الكيزان كافية لشنقهم جميعًا على بوابات الذاكرة الجمعية لشعوب السودان، بوصفهم سرطانًا فتك بالبلاد والعباد، وأضحى استئصاله شرطًا لبناء وطن جديد يقوم على الحرية والعدالة والسلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!