
فاطمة لقاوة
ما يجري اليوم في دارفور وكردفان لا يمكن فهمه دون تسمية الأشياء بأسمائها،فخلف ستار “الاقتتال الأهلي” و”الخلافات المحلية” تقف شبكة مصالح سياسية وعسكرية تُعيد تدوير الوجوه ذاتها كلما إحتاج المركز إلى وقود جديد لحروبه. وفي مقدمة هذه الوجوه يبرز اسم موسى هلال، ومعه جودات ومن يدور في فلكهم، كأدوات قديمة في مشروع جديد.
موسى هلال لم يكن يوماً مجرد زعيم أهلي تقليدي؛ صعوده ارتبط منذ البدايات بعسكرة القبيلة وربطها بمراكز القرار في الخرطوم،و بعد أن تغيّرت التحالفات وتبدلت الولاءات، لم يتغير جوهر الدور: الإستثمار في الانقسام المحلي لخدمة حسابات السلطة.
اليوم، في ظل إدارة المشهد من بورتسودان، يُعاد إنتاج السيناريو ذاته، لكن بأسماء ومسوغات جديدة.
جودات ومن معهم لا يتحركون في فراغ،خطابهم المعلن يتحدث عن “حماية الأرض” و”الدفاع عن الدولة”، بينما واقع تحركاتهم يكشف عن نمط مكرر:تعبئة شبابية على أساس قبلي، تسليح خارج الأطر القانونية، ضخ شائعات ممنهجة، ثم إشعال شرارة في منطقة حساسة ليُترك المجتمع يحترق وحده،بعدها تُسوّق الأحداث كصراع أهلي طبيعي، وتُغسل أيدي صانعيه من الدم.
المفارقة أن هذه التحركات لا تخدم أهل دارفور ولا كردفان، بل تصب في مصلحة سلطة مأزومة تبحث عن إعادة توزيع الصراع بعيداً عن مركزها،فبعد أن اشتد الضغط السياسي والعسكري على مجموعة بورتسودان، فُتحت جبهة في الأطراف، وكلما تعالت الأصوات المطالِبة بوقف الحرب الشاملة، أُعيد تدوير النزاع في صورة إقتتال قبلي.
بهذا المعنى، يتحول موسى هلال وجودات ومن معهم إلى وكلاء ميدان لمشروع أكبر: تفكيك النسيج الإجتماعي حتى لا تقوم قائمة لمجتمع موحد يطالب بالمحاسبة.
إنها سياسة “فرّق تسد” في نسختها الأشد فجاجة، حيث يُدفع أبناء القرى إلى مواجهة بعضهم، بينما يحتفظ مهندسو الفوضى بمقاعدهم الآمنة.
دارفور وكردفان لم تعرفا تاريخياً هذا المستوى من الإحتراب المنفلت.
كانت الإدارة الأهلية، بكل ما عليها من ملاحظات، تمثل صمام أمان اجتماعي،ولكن عندما تُختطف الزعامة من مضمونها الأخلاقي، وتتحول إلى ذراع عسكرية مرتبطة بالمركز، تفقد المجتمعات قدرتها على ضبط خلافاتها.
ما يحدث اليوم بتوجيهات عليا من بورتسودان هو تقويض ممنهج للقيادات المجتمعية المستقلة، وإحلال شخصيات مرتبطة بالسلاح والتمويل محلها،وهنا تكمن الخطورة: حين يصبح مصدر الشرعية هو الرصاصة لا الرضا المجتمعي، يتحول الخلاف الصغير إلى حرب مفتوحة.
من يُحرّض، ومن يُسلّح، ومن يفتح المخازن، لا يمكن أن يتخفى خلف شعار “الدفاع عن الدولة”،الدولة لا تُبنى بإشعال القرى، ولا تُحمى بتمزيق الأسواق والمساجد والمصاهرات.
توظيف موسى هلال وجودات ومن معهم في إشعال الفتن يضعهم أمام مسؤولية تاريخية وقانونية، لا تسقط بالتقادم ولا تُمحى بتبدل التحالفات.
المعركة الحقيقية ليست بين قرية وأخرى، ولا بين عشيرة وأخرى، بل بين مشروع يريد مجتمعاً ممزقاً يسهل التحكم فيه، ومشروع يريد مجتمعاً واعياً قادراً على قول “لا” لمن يعبث بدمائه.
لا تمنحوا الشرعية لمن يختطف أسماءكم ليخدم أجندة غيركم. لا تصدقوا أن خلاصكم يمر عبر فوهة بندقية يسلّمها لكم سياسي او عسكري او زعيم يجعل دياركم ساحة للدم والموت.
آن الأوان لكسر الحلقة: عزل وكلاء الفتنة إجتماعياً، فضح إرتباطاتهم المُدجن مع اسيادهم،وإعادة القرار إلى المجتمع لا إلى غرف العمليات.
التاريخ لا يرحم من باعوا أهلهم لمصلحة سلطة عابرة، ولا يغفر لمن أشعلوا النار ظناً أنهم في مأمن من لهيبها.
مستريحة نهاية وكلاء الفتنة في دارفور و كردفان وضربة قاضية لمؤامرات عصابة بورتسودان.




