رأي

يموت هنا… ويُدفن هناك

منال علي محمود

 

منال علي محمود

manal002002@gmail.com

الرواية الرسمية تتحدث عن حادث مروري.

لكن أزمة السودان لم تعد في الحوادث، بل في الثقة.

شخصية ارتبط اسمها بالصناعات العسكرية وصفقات المسيّرات تموت داخل بلد مشتعل بالحرب، ثم يُنقل جثمانها بطائرة ليدفن في تركيا.

فهل أسعفته تلك المسيّرات التي حرص على وجودها. أربع منها كانت كافية لتحمل جثمانه في طريق العودة نحو وطنه البديل.

الحدث قد يبدو شخصياً، لكنه في دلالته أعمق من ذلك بكثير.

السؤال ليس فقط كيف مات.

السؤال لماذا لا يُوارى في الأرض التي دارت فيها المعارك التي كان جزءاً من سياقها.

وماذا يقول هذا عن الأعراف السياسية والانتماء النهائي للنخب الحاكمة.

الدفن… إعلان الانتماء الأخير

الدفن ليس إجراءً عائلياً عابراً، بل هو إعلان صامت عن موقع الانتماء.

في السودان، الأرض ليست مجرد تراب.

هي ذاكرة، جذور، وأسماء محفورة في القرى والمقابر.

أن يُدفن شخص ارتبط بالحرب خارج البلاد يفتح باباً مشروعاً للتساؤل. أين الوطن الحقيقي.

وأين الأمان.

وأين المستقبل الذي يُراهن عليه أصحابه.

الحرب كمشروع بقاء

الحرب في السودان لم تعد مواجهة عسكرية فقط.

تحولت إلى منظومة مصالح.

صفقات تسليح.

تعاقدات طارئة بلا رقابة.

اقتصاد ظل.

تمويل عابر للحدود.

في مثل هذه البيئة، السلام لا يكون حدثاً محايداً.

السلام يفتح الملفات المؤجلة.

السلام يهدد شبكات النفوذ.

السلام يفرض المحاسبة.

ولهذا يصبح استمرار الحرب، بالنسبة لبعض القوى، مسألة وجود سياسي ومالي.

أما المواطن العادي، فيدفع الثمن. نزوح، خوف، فقدان.

أما شبكات المصالح، فلديها بدائل وخطط خروج وأبواب مفتوحة خارج الحدود.

السودان… الساحة الأسهل

تحول البلد إلى مساحة تُدار فيها الحسابات، وتُختبر فيها التحالفات، بينما يظل الناس وقود الاستمرار.

إذا تمت دعوتك إلى السودان هذه الأيام… فتريّث.

ليس خوفاً من البلد، بل من الذين حوّلوه إلى ساحة مفتوحة.

فقد قرروا أن يجعلوا الموت لغة يومية، وأن تتحول “حرب الكرامة” إلى مظلة تُبتلع تحتها الأسئلة والحقائق.

صار القتل خبراً عابراً.

وصار الغموض جزءاً من الإدارة.

وصارت الحقيقة تُدفن أسرع من أصحابها.

السودان لا يشبه ملك الموت.

لكن من يديرون هذه الحرب قرروا أن يجعلوه كذلك.

القضية ليست حادثاً فردياً. القضية هي المعنى.

أن يموت شخص داخل وطن يحترق، ثم يُوارى في أرض أخرى، يكشف طبيعة العلاقة بين بعض النخب وهذا البلد.

الوطن المؤقت أم النهائي

هل السودان وطن نهائي. أم مجرد ساحة عمل مؤقتة.

الوطن الذي يُقاتَل باسمه… لماذا لا يُدفن فيه من يقررون مصيره.

إذا كان السلام يهدد اقتصاد الحرب، فلن يكون أولوية بل مهدد يجب العمل ضده.

وإذا كانت النار تفتح أبواب المال والنفوذ، فلن تنطفئ بسهولة.

أخطر ما في الحروب ليس عدد الضحايا.

بل اللحظة التي يصبح فيها الوطن محطة عبور، لا مكان استقرار.

لأن الوطن لا يموت دفعة واحدة.

بل يموت كلما أصبح موت جزء منه عادياً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!