
عمر سيد أحمد
تحليل في الاقتصاد السياسي للنزاع | 2026
في فجر الخامس عشر من أبريل 2023، دوّى صوت المدافع في الخرطوم وأم درمان، وأيقظ السودانيين على حرب لم يتوقع كثيرون أن تندلع بهذه الضراوة وهذه السرعة. في غضون أسابيع، كانت العاصمة وهي بين أكبر مدن أفريقيا تتحوّل إلى ركام وميدان قتال. لكن من يعود إلى ما قبل ذلك الصباح بسنوات، يكتشف أن الحرب لم تكن مفاجأة بنيوية؛ كانت محصّلة منطقية لمسار طويل من تفكيك الدولة من الداخل.
هذا المقال لا يروي الحرب، بل يُشرّح الاقتصاد الذي يُغذّيها — ويُجيب عن سؤال جوهري: لماذا لا تنتهي؟
أولاً: انتحار الدولة — من الانقلاب إلى الانهيار
ليس انهيار الدولة السودانية حدثاً طارئاً وقع في أبريل 2023، بل هو نهاية مشهد امتدّ على مدى أكثر من ثلاثة عقود. منذ انقلاب تنظيم الإسلامويين في يونيو 1989، جرى إعادة هيكلة الدولة السودانية وفق منطق واحد: توسيع الأجهزة الأمنية وتقليص كل مؤسسة مدنية أو عسكرية مستقلة. الجيش النظامي جُرِّد من صلاحيات واسعة لصالح قوات أمنية موازية، والاقتصاد حُوِّل من مشروع تنموي إلى شبكة رعاية تُغذّي الولاءات.
الخطوة الأكثر خطورةً في هذا المسار كانت توظيف المليشيات بديلاً عن الجيش في مناطق النزاع — لا سيما دارفور منذ عام 2003. فالجنجويد، الذين تحوّلوا لاحقاً إلى قوات الدعم السريع، لم ينشؤوا عفو الخاطر؛ كانوا أداةً للدولة الرسمية تستخدمها وتُقوّيها، ثم وجدت نفسها أمام وحش أطعمته حتى كبر. وبحلول عام 2013، حين صدر قانون رسمي يُنظّم قوات الدعم السريع ويُلحقها برئاسة الجمهورية مباشرةً، كانت الدولة قد خلقت لنفسها جيشاً موازياً بميزانية موازية وسلطة موازية.
ما وقع في أبريل 2023 لم يكن انفجاراً مفاجئاً — بل لحظة التقاطع بين جيشين، كلاهما يملك التمويل والعتاد، وكلاهما يرى في الآخر عقبةً لا شريكاً.
ثانياً: الذهب 100 طن تتبخر سنوياً
لفهم لماذا تستمر الحرب، يجب أن نفهم من يموّلها. والمفتاح هنا ليس النفط الذي فُقد معظمه مع انفصال الجنوب عام 2011 بل الذهب.
يُقدَّر الإنتاج الرسمي للسودان بـ41.8 طن عام 2022، بينما تشير تقديرات التعدين الأهلي إلى أن الإنتاج الفعلي يتجاوز 100 طن سنوياً. في عام 2024، بلغ الإنتاج الرسمي 64 طناً، لكن قرابة نصفه خرج عبر قنوات تهريب، وفق بيانات الشركات.
بيانات الاستيراد الدولية تكشف فجوة لافتة: بين 2012 و2023، صدّر السودان رسمياً 335 طناً، بينما سجّلت الدول المستوردة استيراد 534 طناً. الفارق — 199 طناً — يعكس شبكة تهريب واسعة تُقدَّر قيمتها بمليارات الدولارات.
بعد خسارة عائدات النفط، لجأت الخرطوم إلى الذهب بديلاً ريعياً. لكن بدلاً من إخضاع القطاع لرقابة شفافة، حصلت كيانات مرتبطة بقوات الدعم السريع على امتيازات واسعة في دارفور ومناطق أخرى، وتدفّق الذهب عبر قنوات غير رسمية إلى الخارج، متجاوزاً أنظمة البنك المركزي كلياً.
حين يملك فاعل مسلح عائدات مستقلة عن الدولة، تُصبح الدولة في نظره عبئاً لا مرجعية — ولهذا تصبح الحرب أحياناً أرخص من السلام.
ثالثاً: اقتصاد الحرب — حين تُصبح الفوضى مربحة
بحلول نهاية 2024، تجاوز عدد النازحين داخلياً 11 مليوناً، فيما تجاوز عدد اللاجئين خارج السودان 4 ملايين. انكمش الاقتصاد بنسبة تقارب 18% في 2023، وتجاوز التضخم 200% في 2024، فيما يواجه أكثر من 25 مليون شخص خطر الجوع الحاد.
لكن خلف هذه الكارثة يعمل «اقتصاد الحرب» بمنطقه الخاص:
السيطرة على مناطق التعدين
فرض الجبايات والأتاوات
النهب المنظم للبنوك والمؤسسات
التحكم في الطرق والممرات الاقتصادية
حين تتجاوز عوائد الحرب ما يتيحه السلام لمن يسيطر على هذه الموارد، يصبح وقف القتال قراراً اقتصادياً صعباً قبل أن يكون قراراً سياسياً.
رابعاً: لماذا تفشل الوساطات؟
تعددت جولات التفاوض منذ أبريل 2023 — في جدة وأديس أبابا والقاهرة وغيرها — لكن جميعها تعثّر. السبب ليس غياب التوقيعات، بل بقاء الحوافز الاقتصادية للحرب قائمة.
طالما ظل الذهب يُصدّر خارج الرقابة، وطالما امتلكت الأطراف شبكات تمويل مستقلة، فإن أي اتفاق يظل هشاً. لا يمكن إنهاء حرب تموّل نفسها بنفسها دون إغلاق مصادر تمويلها.
خامساً: ما الذي يجب أن يتغيّر؟
المخرج ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب إعادة تصميم كاملة للاقتصاد السياسي للنزاع:
1. ضبط الموارد الاستراتيجية عبر آليات رقابة دولية لتتبع صادرات الذهب.
2. بناء جيش وطني واحد بعقيدة مهنية، وحل جميع المليشيات بلا استثناء.
3. إبعاد المؤسسة العسكرية عن النشاط التجاري.
4. إعادة بناء العقد الاجتماعي على قاعدة «الضريبة مقابل التمثيل».
5. تبني مشروع وطني جامع ينهي مركزية الحكم ويفصل الدين عن الدولة ويؤسس لدولة مدنية ديمقراطية.
سادساً: السلام الذي لا يُنجزه التوقيع وحده
ليس المخرج مستحيلاً، لكنه يستلزم مقاربةً مختلفة كلياً عمّا جرّبناه. التسوية التي تُعيد توزيع الكراسي دون إعادة هيكلة الاقتصاد السياسي للنزاع ستجد نفسها بعد سنوات قليلة أمام انهيار جديد. ثمة ثلاثة مسارات لا غنى عنها:
المسار الأول — ضبط الموارد الاستراتيجية: أي اتفاق سلام جدي يجب أن يتضمن آليات دولية لرقابة صادرات الذهب ومنع تدفقه عبر القنوات غير الرسمية. نموذج «عملية كيمبرلي»، التي أقرّت آليات دولية لتتبع الماس «الدموي»، يمكن استلهامه لقطاع الذهب السوداني. دون هذا، يبقى تمويل الحرب مفتوحاً.
غير أن ضبط الموارد وحده لا يكفي ما لم يُبنَ على مشروع سياسي واضح؛ إذ يواجه أي مسار للتحول المدني الديمقراطي مأزق غياب مشروع جامع يقوم على الآتي:
أولاً — إنهاء مركزية الحكم والنظر في تطبيق الحكم الفيدرالي المناسب.
ثانياً — فصل الدين من الدولة والسياسة، أي التمسك بشعار السودان الجديد.
ثالثاً — توحيد القوى المدنية: بناء قاعدة جامعة تضم شباب الثورة والأحزاب وتنظيمات المجتمع المدني وحاملي السلاح تحت مشروع السودان الجديد.
المسار الثاني — بناء جيش نظامي واحد بعقيدة قتالية جديدة: لا يكفي الدمج الشكلي للقوات المسلحة، بل المطلوب إعادة تأسيس الجيش على عقيدة قتالية مختلفة كلياً عن تلك التي فُرضت عليه منذ انقلاب الإسلامويين عام 1989، حين جرى تحويله من مؤسسة وطنية إلى جيش عقائدي في خدمة تنظيم الإسلام السياسي. ويستلزم ذلك:
أولاً — حل جميع المليشيات والجيوش الموازية بلا استثناء، بما فيها قوات الدعم السريع، وإخضاع كل حاملي السلاح لقيادة مدنية موحدة.
ثانياً — إبعاد المؤسسة العسكرية والأجهزة النظامية الأخرى كلياً عن النشاط التجاري والاستثماري، إذ إن انخراط الجيش في الاقتصاد كان أحد الأسباب الجوهرية في تحوله من أداة دفاع وطني إلى نظام حكم قائم بذاته، وهو تشوه بنيوي لا تُصلحه اتفاقيات القمة ما لم يُعالَج في صلب أي ترتيب انتقالي.
المسار الثالث — إعادة بناء العقد الاجتماعي: السودان يحتاج إلى إعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والمواطن على قاعدة «الضريبة مقابل التمثيل»، وهي علاقة مزّقتها عقود من الحكم الأمني وتحويل الدولة إلى شبكة رعاية للولاءات لا مزوّد خدمات للمواطنين. وقد أثبتت تجارب دول خرجت من نزاعات طاحنة — كرواندا التي أعادت بناء منظومة إيراداتها وخدماتها المحلية قبل الانشغال بترتيبات القمة — أن هذا المسار ليس شعاراً رومانسياً بل المعادلة الوحيدة القادرة على إنتاج استقرار مستدام. والسودان، الذي عاش هذا التشوه بصورة أكثر حدةً من غيره، لن يُستثنى من هذه المعادلة.
ليس المخرج مستحيلاً، لكنه يستلزم مقاربةً مختلفة كلياً عمّا جرّبناه. التسوية التي تُعيد توزيع الكراسي دون إعادة هيكلة الاقتصاد السياسي للنزاع ستجد نفسها بعد سنوات قليلة أمام انهيار جديد. ثمة ثلاثة مسارات لا غنى عنها:
المسار الأول — ضبط الموارد الاستراتيجية: أي اتفاق سلام جدي يجب أن يتضمن آليات دولية لرقابة صادرات الذهب ومنع تدفقه عبر القنوات غير الرسمية. نموذج «عملية كيمبرلي»، التي أقرّت آليات دولية لتتبع الماس «الدموي»، يمكن استلهامه لقطاع الذهب السوداني. دون هذا، يبقى تمويل الحرب مفتوحاً.
ملاحظة: قبل قبول أو رفض المدنية والديمقراطية من الوسطاء، الخلاف الأساسي هو غياب المشروع، ألا وهو: أولاً — إنهاء مركزية الحكم والنظر في تطبيق الحكم الفيدرالي المناسب. ثانياً — فصل الدين من الدولة والسياسة، أي التمسك بشعار السودان الجديد. ولا بد من بناء قاعدة تجمع نداءات شباب الثورة وتطلعاتهم، والأحزاب، وتنظيمات المجتمع المدني، وحاملي السلاح تحت مشروع واحد — والأنسب هو: السودان الجديد.
المسار الثاني — بناء جيش نظامي واحد بعقيدة قتالية جديدة: لا يكفي الدمج الشكلي للقوات المسلحة، بل المطلوب إعادة تأسيس الجيش على عقيدة قتالية مختلفة كلياً عن تلك التي فُرضت عليه منذ انقلاب الإسلامويين عام 1989، حين جرى تحويله من مؤسسة وطنية إلى جيش عقائدي في خدمة تنظيم الإسلام السياسي. ويستلزم ذلك: أولاً — حل جميع المليشيات والجيوش الموازية بلا استثناء، بما فيها قوات الدعم السريع، وإخضاع كل حاملي السلاح لقيادة مدنية موحدة. ثانياً — إبعاد المؤسسة العسكرية كلياً عن النشاط التجاري والاستثماري، إذ إن انخراط الجيش في الاقتصاد كان أحد الأسباب الجوهرية في تحوله من أداة دفاع وطني إلى نظام حكم قائم بذاته، وهو تشوه بنيوي لا تُصلحه اتفاقيات القمة ما لم يُعالَج في صلب أي ترتيب انتقالي.
المسار الثالث — إعادة بناء العقد الاجتماعي: السودان يحتاج إلى إعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والمواطن على قاعدة «الضريبة مقابل التمثيل». وقد أثبتت تجارب دول خرجت من نزاعات طاحنة — كرواندا التي أعادت بناء منظومة إيراداتها وخدماتها المحلية قبل الانشغال بترتيبات القمة — أن هذا المسار ليس شعاراً رومانسياً بل المعادلة الوحيدة القادرة على إنتاج استقرار مستدام.)
خاتمة: معادلة الانهيار
ما يعيشه السودان اليوم ليس مجرد صراع بين جيشين، بل انتقال من «الدولة الريعية» إلى «الريع المسلح»، حيث تتحرر الموارد من الدولة لتغذي الفاعلين المسلحين مباشرة.
استقلال التمويل المسلح + غياب العقد الضريبي + ازدواج السيادة = اقتصاد حرب يُعيد إنتاج نفسه.
الدول لا تنجو من الانتحار المؤسسي بالعواطف، بل بإعادة بناء قواعد السلطة والاقتصاد من جذورها. وهذا هو الرهان الحقيقي في السودان اليوم.




