
مؤيد الأمين
ما يحدث في ولاية الجزيرة ليس أزمة إدارة عابرة، ولا مجرد ارتباك في مرحلة ما بعد الحرب، بل هو مشهد مكشوف لاختطاف الدولة وتحويلها إلى ملكية خاصة تُدار بعقلية الغنيمة. السلطة القائمة بقيادة الطاهر إبراهيم الخير لم تأتِ بمشروع إعادة بناء، ولا بخطة لإنصاف الضحايا، بل جاءت لتثبيت أقدامها داخل منظومة تقوم على الولاء لا الكفاءة، وعلى المحاصصة لا العدالة.
الجزيرة اليوم تُدار بذهنية “ما بعد السقوط”: توزيع مناصب، إعادة تدوير وجوه سقطت شعبيًا، وصناعة مراكز قوة موازية تضمن بقاء الشبكات المتحكمة حتى لو انهار المجتمع من حولها. الصراع الدائر ليس بين رؤى أو برامج، بل بين شلليات تتنافس على الموارد، وعلى حق التحدث باسم الدولة، بينما الدولة نفسها غائبة. المواطن لم يعد محور السياسات، بل أصبح موردًا يُستنزف، وقوتُه مادةً لتقاسم النفوذ.
الإسلامويون، الذين خبر السودانيون تجربتهم لثلاثة عقود تحت مظلة حزب المؤتمر الوطني، يعيدون إنتاج ذات المنهج: تمكين حزبي، توظيف سياسي للإدارة، وتغوّل على المال العام. الجديد ليس في الأسلوب، بل في الجرأة؛ فالسرقة لم تعد تُدار في الظل، بل صارت ممارسة شبه معلنة تحت لافتة “الطوارئ” و“إعادة الاستقرار”. الفوضى نفسها تحولت إلى أداة حكم: كلما اتسعت، زادت الحاجة إلى سلطة بلا مساءلة.
في هذا المناخ، تُهمَّش المؤسسات، ويُستبدل القانون بميزان القوة. تُحل النزاعات عبر الولاءات لا القضاء، وتُفرض القرارات بقوة النفوذ لا بشرعية التفويض الشعبي. الأخطر أن الإدارات الخدمية—من التعليم إلى الصحة إلى الغذاء والأمن—باتت ساحات سباق محموم: من يسبق إلى الغنيمة أولًا؟ من يضع يده على المورد قبل غيره؟ هكذا تتآكل الدولة من الداخل، وتتحول الولاية إلى شبكة مصالح متقاطعة لا يربطها مشروع وطني.
النتيجة المباشرة يدفعها المواطن: تضخم في الأسعار، شح في الخدمات، وغياب للرقابة. تتسع بؤرة الفساد كلما صمت الناس خوفًا أو يأسًا، ويترسخ شعور عام بأن لا حسيب ولا رقيب. لكن التاريخ القريب يعلّمنا أن حكمًا يقوم على الخوف والغنيمة لا يصنع استقرارًا، بل يؤسس لانفجار مؤجل. فالسلطة التي تنفصل عن شعبها، وتعيش عليه لا من أجله، تفقد سندها الأخلاقي قبل أن تفقد مواقعها.
إن تعرية هذا الواقع ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة لحماية ما تبقى من نسيج الولاية. المطلوب ليس تبادل الاتهامات داخل المنظومة نفسها، بل موقف مجتمعي موحد يطالب بالشفافية والمحاسبة، ويعيد الاعتبار لفكرة الدولة كخادم للناس لا سيد عليهم. على القوى المدنية، والنقابات، ولجان الأحياء، وكل صوت مستقل، أن يتلاقى حول حد أدنى: لا لنهب قوت المواطن، لا لتحويل المؤسسات إلى إقطاعيات حزبية، ولا لشرعنة الفساد باسم الاستقرار.
الجزيرة ليست غنيمة، وأهلها ليسوا رهائن. حين يتوحد الصوت العام خلف مطلب العدالة والمساءلة، تتراجع الشلليات إلى حجمها الحقيقي. أما استمرار الصمت، فلن يعني إلا مزيدًا من الاتساع في دائرة الفساد، حتى لا يبقى ما يُنهب. اليوم، المواجهة ليست بين أشخاص، بل بين من يريد دولة قانون، ومن يريد دولة غنيمة. والاختيار، في نهاية المطاف، بيد الناس.




