رأي

سودان جديد — نفسياً مقال تمهيدي:  الشفاء الجذري – حين يكون الجرح أعمق من الرصاصة

مجدي محمد مصطفى ماكن

 

مجدي محمد مصطفى ماكن

   قبل أن تبدأ في قراءة هذا المقال التمهيدي لسلسلة سودان جديد نفسياً، أريدك أن تتوقف لحظة.

أغمض عينيك  إن أردتَ  وتذكّر آخر مرة شعرتَ فيها بأنك “أقل”. ليس أقل من إنسان بعينه، بل أقل بشكل مبهم لا تعرف مصدره. أقل أهمية. أقل استحقاقاً. أقل “تحضراً”. أقل حقاً في أن تُسمع.

ربما كان ذلك في مكتب حكومي، أو في مجلس مدينة، أو حين سمعتَ لهجتك تُقلَّد للتندر. أو ربما في لحظة خجلتَ فيها — دون أن تعرف لماذا — من لون بشرتك، أو من اسم قبيلتك، أو من لغة أمك.

هذا الشعور ليس قدراً، ولم يُولَد معك. 

هو “صناعة”.

لماذا “الشفاء الجذري”؟

في عام 2020، نشر فريق من علماء النفس في الولايات المتحدة — يعملون مع المجتمعات التي عانت الاضطهاد التاريخي — ورقة بحثية أسموها “نحو إطار نفسي للشفاء الجذري في المجتمعات الملونة”. كانت فكرتهم المحورية بسيطة وعميقة في آنٍ واحد:

“الشفاء التقليدي يعالج الجرح. الشفاء الجذري يعالج الأرض التي نبت فيها الجرح.”

بمعنى آخر: لا يكفي أن تعالج القلق أو الاكتئاب أو العنف في الفرد السوداني، إن لم تُعالج في الوقت ذاته المنظومة التي أنتجت هذا القلق وهذا الاكتئاب وهذا العنف.

هذه السلسلة لا تُقدّم لك “وصفة سعادة” ولا “تحفيزاً” من نوع “صدّق في نفسك”. هي شيء أعمق وأصعب وأكثر إزعاجاً من ذلك بكثير. هي دعوة للشفاء الجذري — الشفاء الذي يبدأ بالاعتراف الكامل بحجم الجرح، ثم فهم من زرعه ولماذا وكيف، ثم اقتلاعه من جذوره، ثم — وهذا الجزء الذي يغفل عنه كثيرون — بناء شيء جديد في مكانه.

خمسة أسئلة تُجيب عنها هذه السلسلة

1/ لماذا يدافع بعض ضحايا الدولة عنها؟

ليس لأنهم أغبياء أو خونة بالضرورة. بل لأن الصدمة تُنتج أحياناً حُبّاً مرضياً للجلاد. هذه ظاهرة نفسية موثّقة اسمها “الترابط الصدمي” (Trauma Bonding)، ولها آليات نفسية محددة سنشرحها.

2/ لماذا يشعر الإنسان السوداني من “الهامش” بأن وجوده يحتاج تبريراً في وطنه؟

لأن هناك “نظام تشغيل” تم تحميله في عقله منذ الطفولة يقول له ذلك بصمت. وسنُفكّك هذا النظام سطراً سطراً وصامولة صامولة.

3/ لماذا يخجل بعض السودانيين من لغتهم وهويتهم وأصلهم؟

لأن هناك عملية ممنهجة تُسمّى في علم النفس الاستعماري “الإخصاء الثقافي” — وهي أكثر فاعلية من أي سلاح، لأن ضحيتها لا تشعر بالجرح.

4/ لماذا تتحول الصراعات السياسية في السودان دائماً إلى صراعات قبلية وعرقية؟

لأن هناك مهندسين اجتماعيين محترفين يعملون على ذلك بجد ودأب. وسنكشف الآلية بالتفصيل.

5/ كيف يبدو السودان الجديد نفسياً؟

هذا هو السؤال الأجمل والأصعب. وسنبني إجابته معاً، حجراً حجراً، في المراحل الأخيرة من السلسلة.

الإطار العلمي: على كتف من نقف؟

هذه السلسلة تقف على كتف تيار علمي واحد متماسك، يُعرف اليوم بـ “علم النفس التحرري” (Liberation Psychology)، ذلك التيار الذي وُلد في جنوب العالم ، لا في مختبرات أوروبا — وتحدّث بجرأة عن شيء واحد: العلاقة بين القهر والعقل البشري.

ثلاثة أصوات كبرى شكّلت هذا التيار، وستكون حاضرة في كل ما سيأتي:

الصوت الأول: فرانتز فانون — “معذبو الأرض”.

أحد أبرز المفكرين والمنظرين العالميين للثورات المناهضة للاستعمار، و يعد المفكر العالمي للثورة الجزائرية، وعضو قيادة جبهة التحرير الوطني (FLN).

الطبيب النفسي الفرنسي/ الجزائري فرانتز فانون (1925-1961) كان من أوائل من قدّموا تحليلاً سريريًا-سياسيًا متكاملاً للأثر النفسي للاستعمار، و وصف بدقة علمية الأثر النفسي للاستعمار على الضحية لا على المحتل فحسب.

قالها بجرأة لم يجرؤ عليها أحد قبله. “الاستعمار ليس مجرد احتلال أرض، بل هو احتلال عقل. يجعل المستعمَر يرى نفسه بعيون المستعمِر — فيكره ما يرى.”

فانون وصف كيف يميل المقهور أحياناً إلى التماهي مع المعتدي — أي تبنّي قيم وأحكام من يقهره، ومحاولة التشبه به كسبيل للنجاة. هذا بالضبط ما نُسمّيه في السياق السوداني “الأفندي” و”الهاوس نيقرو” و”الفلنقاي”.

الصوت الثاني: باولو فريري — “تربية المقهورين”

المفكر البرازيلي باولو فريري (1921-1997) طوّر مفهوم الوعي النقدي الحي (Critical Consciousness). يقول فريري إن الإنسان المقهور يمر بثلاث مراحل:

– الوعي السحري: يرى الواقع كقدر لا يُناقش — “كذا خلقنا الله” أو “الله جعلا”.

– الوعي الساذج: يرى المشكلة لكن يُحيلها للأفراد لا للمنظومة — “الحاكم الفلاني سيء”

– الوعي النقدي: يرى المنظومة كاملة ويفهم كيف تعمل — وهذا هو هدف هذه السلسلة

الانتقال من الوعي الساذج إلى الوعي النقدي هو ما يُسمّيه فريري التحرر الحقيقي. وهو ما نسعى إليه معاً.

الصوت الثالث: فريق فرنش وزملاؤها.

في عام 2020، وفي امتداد مباشر لفانون وفريري، طوّرت الباحثة برياانا فرنش وفريقها إطار “الشفاء الجذري” — أكثر الأطر شمولاً حتى اليوم في علاج الصدمة الجمعية للمجتمعات المقهورة.

ست ركائز للشفاء الجذري — مُكيَّفة للسياق السوداني

ملاحظة: الركائز الخمس الأولى مُكيَّفة من:

French et al., 2020, The Counselling Psychologist.

الركيزة السادسة إضافة تفرضها حاجة السودان الخاصة.

هذه الركائز ليست خطوات متتالية، بل هي منظومة متشابكة — كل ركيزة تُغذّي الأخرى وتحتاجها:

* الركيزة الأولى: الوعي النقدي

فهم كيف تعمل المنظومة الظالمة. في السياق السوداني: تفكيك آليات “دولة 56” بمبضع التحليل لا بسكين الغضب الأعمى.

* الركيزة الثانية: الأصالة الثقافية ومعرفة الذات

العودة إلى الجذر — إعادة تقدير اللغات والثقافات السودانية المتعددة كمصادر قوة، لا كـ”رطانة” تُخجل.

 * الركيزة الثالثة: القوة والمقاومة

استعادة الإحساس بالفاعلية. من “لا أستطيع تغيير شيء” إلى “أنا جزء فاعل من التغيير”. هذا لا يتحقق بالخطب، بل بأفعال صغيرة واعية ومتراكمة.

* الركيزة الرابعة: الأمل الجذري

الفرق بين الأمل السطحي والأمل الجذري هو أن الثاني لا يُنكر الجرح، بل يؤمن بقدرة الإنسان على التجاوز رغم الجرح. رؤية السودان الجديد ممكناً لا خيالياً.

* الركيزة الخامسة: العمل الجماعي

الشفاء الجذري لا يحدث بمفردك. هو ظاهرة اجتماعية بطبيعتها — كما قال فريري: “الوعي النقدي لا ينبت في الغرف المغلقة”. بناء مجتمعات وعي وشفاء جماعي هو الوقود.

* الركيزة السادسة: التوثيق والشهادة (إضافة للسياق السوداني)

في المجتمعات التي تملك مؤسسات قانونية وأرشيفية راسخة، قد تبدو هذه الركيزة بديهية. لكن في السودان، حيث تعمل الدولة العميقة بنشاط على محو السرديات وتزوير الذاكرة الجمعية، فإن استعادة الرواية وتسمية الجرح باسمه أمام النفس وأمام العالم تصبح فعلاً علاجياً وجودياً. لا شفاء دون اعتراف. ولا اعتراف دون شهادة.

هذه الركائز الست ستكون البوصلة لكل ما سيأتي في هذه السلسلة.

الصدمة التي لم تُولَد بها لكنك تحملها

ثمة حقيقة علمية يجب أن تعرفها قبل أن تبدأ:

بعض الجروح التي تحملها اليوم لم تعشها أنت شخصياً. بل ورثتها.

هذا ليس كلاماً شعرياً، بل علم موثّق. مجال “الإبيجينيتيك” (Epigenetics) — علم التعبير الجيني — أثبت أن الصدمات الكبرى كالإبادة والتهجير والقمع المزمن تُغيّر حرفياً طريقة التعبير عن بعض الجينات، وأن هذه التغيّرات يمكن أن تنتقل للأبناء والأحفاد عبر آليات بيولوجية دقيقة.

دُرس هذا في أبناء الناجين من الهولوكوست، وفي أبناء مستعبَدي أمريكا، وفي أبناء مجاعة هولندا 1944. في كل هذه الحالات، حمل أبناء من لم يعيشوا الصدمة آثارها الجسدية والنفسية.

ماذا يعني ذلك في السياق السوداني؟

يعني أن الطفل الذي وُلد في الخرطوم عام 2000، ولم يعش حرب الجنوب ولا مجازر دارفور، قد يحمل في جسده وعقله آثار تلك الصدمات عبر أبويه وأجداده. خوف بلا مصدر واضح. انكسار أمام السلطة بلا سبب منطقي. إحساس مبهم بأن ثمة خطراً دائماً في الأفق.

وكذلك الطفل المولود في نيالا أو كادقلي أو جوبا الذي وُلد بعد كل شيء — قد يحمل في طيات روحه الجرح الأعمق: الشعور بأن وجوده ذاته في هذا الوطن موضع شك.

كلا الطفلين بريء. وكلاهما ضحية. وكلاهما يحتاج الشفاء الجذري.

ما هذه السلسلة وما ليست؟!

هذه السلسلة:

– تحليل علمي لآليات نفسية موثّقة، مُطبَّق على الواقع السوداني

– دعوة للوعي النقدي “لـكل” السودانيين بلا استثناء — من الشمال والجنوب والشرق والغرب والوسط

– أداة للتفكير المستقل، لا كتاب مقدس يُقرأ دون نقاش

– مساحة لإعادة بناء الهوية السودانية على أساس التعددية لا التوحيد القسري

هذه السلسلة ليست:

– هجوماً على ثقافة أو عرق أو دين بعينه. المشكلة لم تكن يوماً في الإسلام ولا في العروبة، بل فيمن احتكر اسميهما ليُسوّغ السرقة والقهر

– محاكمة لأفراد بعينهم — المشكلة في “المنظومة”، والكثير من أبناء المركز أنفسهم ضحايا لها بدرجات مختلفة

– ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة — هي دعوة للتفكير المشترك، والنقد البنّاء مرحّب به في كل وقت

كيف تقرأ هذه السلسلة؟

أقترح عليك ثلاث طرق للتعامل مع كل مقال:

أولاً: القراءة النقدية

لا تقبل ما تقرأه لأنني كتبته. اسأل دائماً: هل هذا ينطبق على ما أعرفه من تجربتي وتجربة من حولي؟ التحقق الذاتي هو أقوى أداة.

ثانياً: المحادثة

شارك ما تقرأه مع شخص تثق به. أفضل الأفكار تتبلور في الحوار لا في العزلة. فريري كان يقول إن الوعي النقدي ظاهرة اجتماعية بطبيعتها — لا تنبت في الغرف المغلقة.

ثالثاً: الفعل الصغير

كل مقال سيختم بـ”سؤال للتأمل” وبـ”فعل صغير” يمكنك البدء به اليوم. التغيير الجذري يبدأ دائماً من أفعال صغيرة جداً، مُتكررة، واعية.

“كلمة و موقف”

لن أدّعي “الحياد” في هذه السلسلة. الحياد في مواجهة الظلم الموثّق ليس فضيلة — كما ناقشنا في سلسلة “هندسة الهزيمة” السابقة.

موقفي واضح: أنا مع الإنسان السوداني في كرامته الكاملة، في كل مناطق السودان، بكل ألوانه ولغاته وثقافاته. وأنا ضد أي منظومة تستخدم السلطة لسرقة حقه في حكم نفسه وموارده وتعريف هويته.

لكن هذا الموقف لا يعني اليقين المطلق. أنا إنسان، وهذه مقالات يكتبها إنسان بتجربة محدودة كتجربة كل إنسان. النقد البنّاء مرحّب به دائماً — بل هو جزء من الشفاء ذاته.

خريطة الرحلة: أربع مراحل في أربعة عشر مقالاً

في المقالات الأربعة عشر القادمة، سنمر معاً بأربع مراحل متصاعدة — كل مرحلة تبني على التي قبلها، وتُهيّئ لما بعدها:

المرحلة الأولى — التفكيك (4 مقالات)

كيف صُنع نظام التشغيل المعطوب في العقل السوداني؟ كيف تعمل آلياته؟ وكيف نُشخّص أثره في حياتنا اليومية؟

المرحلة الثانية — المرأة السودانية (3 مقالات)

تشريح الجرح المُضاعَف — الحرب النفسية على المرأة في طبقتين متشابكتين: الجنس “الجندر”، والانتماء. وخارطة تعافٍ مخصوصة بها.

المرحلة الثالثة — بناء الذات الجمعية (4 مقالات)

من التفكيك إلى البناء. استعادة الذاكرة والهوية والكرامة. وتأسيس هوية سودانية جديدة تتّسع للجميع.

المرحلة الرابعة — التأسيس (3 مقالات)

البروتوكولات العملية للحياة في السودان الجديد — من المناعة الرقمية الفردية إلى نموذج المواطن التأسيسي.

سؤال التأمل الأول

قبل أن تقرأ المقال القادم، خذ ورقة وقلماً — أو افتح ملفاً نصياً — واكتب إجابتك على هذا السؤال:

“ما هو الشيء الوحيد في نفسك، أو في ثقافتك، أو في هويتك، الذي تشعر تجاهه بشيء يشبه الخجل أو الحرج؟ من علّمك أن تشعر بذلك؟ متى؟ وفي أي سياق؟”

لا توجد إجابة صحيحة أو خاطئة. هذا السؤال هو بداية الرحلة. وما ستكتبه الآن ستنظر إليه بعيون مختلفة تماماً حين تصل للمقال الثامن.

الفعل الصغير لهذا اليوم

تحدّث مع شخص واحد — من جيل مختلف، أو من منطقة مختلفة عن منطقتك — واسأله:

“ما أصعب شيء مررتَ به ولم تتحدث عنه مع أحد قط؟”

استمع فقط. لا تُقيّم ولا تُقارن ولا تُعلّق. الاستماع الحقيقي هو أول أدوات الشفاء الجذري — وأكثرها ندرةً في زمن الضجيج.

في المقال الأول: “خريطة العقل المُحتل”

كيف زرعت دولة 56 “شرطياً” داخل رأسك؟ وكيف تتعرف عليه وتُطرده؟ التشريح الكامل لنظام التشغيل الذهني الذي يحكمك دون أن تعرف.

تحية واحترام لكل سوداني وسودانية يبحثون عن الخلاص بعقل مفتوح وقلب شجاع.

الله يرفع البلاء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!