رأي

تداعيات الحرب الإيرانية – الامريكية والإسرائيلية على مسارات الحرب والسلام في السودان؛

عباس احمد السخي

 

عباس احمد السخي

لم تكن الحرب الإيرانية – الامريكية والإسرائيلية حدثًا معزولًا عن محيطها الجغرافي، بل جاءت باعتبارها زلزالًا سياسيًا وعسكريًا أعاد ترتيب أولويات القوى الكبرى، وفرض واقعًا جديدًا على بؤر التوتر الممتدة من الشرق الأوسط إلى أفريقيا، وفي القلب منها السودان. فكلما اتسعت رقعة المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تضاءلت فرص معالجة الأزمات الطرفية، وعلى رأسها الأزمة السودانية التي كانت تقف على أعتاب هدنة وشيكة.

أولاً: تعطيل الهدنة وانصراف الاهتمام الدولي

الحرب الإيرانية صرفت الانتباه الدولي عن الأزمة في السودان، وأدت بصورة مباشرة إلى تعطيل فرص الهدنة التي كانت قيد التشكل. تلك الهدنة التي عملت عليها الولايات المتحدة، بوصفها قائدة للمجموعة الرباعية التي تضم الامارات والسعودية ومصر، باتت رهينة تطورات الميدان في الشرق الأوسط. فطالما لم تُحسم الحرب هناك، ستظل الأولويات الأمريكية منصرفة نحو إدارة الصراع الأكبر، بما يعني عمليًا تجميدًا مؤقتًا – وربما طويلًا – لمساعي التهدئة في السودان.

 

ثانياً: مآلات الحرب على إيران بين تغيير النظام أو إخضاعه

منذ اليوم الثالث للحرب، ومع ما تردد عن إجهاد عسكري أصاب إيران واقتراب استنفاد مخزونها من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، بدت ملامح النتيجة أكثر وضوحًا. وأصبح من شبه المؤكد أن يتحقق أحد احتمالين:

الاحتمال الأول: نجاح الامريكان والإسرائيليين في تغيير نظام الملالي وجماعية ولاية الفقيه الإيرانية، ونقل إيران إلى نظام جديد بقيادة انتقالية تعقبها انتخابات حرة ونزيهة. في هذا السيناريو، تنأى إيران بنفسها عن سياسة تصدير الثورة الإسلامية التي انتهجتها منذ عام 1979، وتتجه نحو بناء الداخل الإيراني سياسيًا واقتصاديًا ومعرفيًا، بعيدًا عن المواجهات العسكرية الإقليمية والدولية. ولا يخفى أن تغيير النظام يمثل الهدف المعلن للحرب من الجانب الأمريكي الإسرائيلي.

الاحتمال الثاني: رضوخ القيادة الجديدة في إيران، ممثلة في المرشد المتوقع انتخابه بعد مقتل الخامنئي، لشروط الولايات المتحدة وإسرائيل، والتي تتمثل في التخلي الكامل عن امتلاك أسلحة نووية، وإيقاف برنامج الصواريخ الباليستية، والتوقف النهائي عن دعم الجماعات الموالية لإيران في المنطقة، مثل حزب الله في لبنان والعراق، وجماعة الحوثي في اليمن، وجماعة الاخوان المسلمين في السودان.

 

ثالثاً: تجريد إيران من أوراقها الإقليمية

كلا الاحتمالين أعلاه يؤديان إلى نتيجة استراتيجية واحدة: تجريد إيران من قدرتها على زعزعة أمن الشرق الأوسط وأجزاء من أفريقيا، لاسيما السودان. فإيران، سواء تغير نظامها أو أُخضع لشروط دولية صارمة، ستفقد أدوات التأثير غير المباشر التي اعتمدت عليها لعقود، وفي مقدمتها شبكات الدعم العسكري واللوجستي لحلفائها.

 

رابعاً: انعكاس مباشر على موازين القوة في السودان

في السودان، شاركت إيران بفعالية في دعم جيش الاخوان المسلمين منذ اليوم الأول للحرب، عبر تزويده بالسلاح والعتاد، خاصة المسيرات من طراز “مهاجر” وغيرها، وهي ذات المسيرات التي حصدت أرواح السودانيين عسكريين ومدنيين. ومع توقف هذا الإمداد العسكري والدعم الفني الذي ظل يوفره النظام الإيراني لجماعة البرهان، يكون جيش الاخوان المسلمين قد فقد ظهيرًا مهمًا في الحرب على الدعم السريع.

هذا التحول يمنح الدعم السريع فرصة لتعزيز وجوده على الأرض، وإعادة ترتيب انتشاره، توسيع رقعة سيطرته، مستفيدًا من انكشاف خصمه استراتيجيًا.

 

خامساً: تراجع الدعم التركي المحتمل

تداعيات الصراع في الشرق الأوسط قد تحرم جيش الاخوان المسلمين من الدعم العسكري التركي كذلك، لا سيما سلاح المسيرات الذي ظل يتدفق على السودان منذ بداية الحرب. فبعد انهيار المحور الإيراني، قد تجد تركيا نفسها مرشحة في قائمة إعادة التوازن ضمن الاستراتيجية التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة.

وفي ظل احتمالات تعرض تركيا لضغوط أو تهديدات مستقبلية، قد تميل إلى الاحتفاظ بترسانتها العسكرية للدفاع عن النفس بدلًا من الانخراط في دعم حلفاء خارجيين، الأمر الذي يزيد من عزلة جيش الاخوان المسلمين عسكريًا.

 

سادساً: ضغوط إقليمية ودولية متصاعدة

في ظل التقارير المتواترة حول التعاون العسكري بين جماعة الاخوان في السودان والنظام الإيراني، والذي قد يتحول إلى “نظام سابق” قريبًا، ستواجه جماعة الاخوان المسلمين ضغوطًا إقليمية ودولية مكثفة تحد من قدرتها على المناورة. هذه الضغوط قد تشمل عقوبات سياسية أو اقتصادية، أو عزلة دبلوماسية، أو حتى تحركات ميدانية غير مباشرة لإضعافها.

أمام هذا الواقع، قد تجد جماعة البرهان نفسها مدفوعة دفعًا إلى مائدة التفاوض، باعتباره الخيار الأقل كلفة مقارنة باستمرار القتال دون سند إقليمي قوي.

 

سابعاً: تحسن موقع الدعم السريع إقليميًا

من حيث واقع الحلفاء الإقليميين، يبدو أن وضع الدعم السريع سيكون أفضل بكثير من جيش الاخوان المسلمين بقيادة البرهان. فنتائج الصراع بين إيران وإسرائيل وامريكا سوف تعزز موقف حلفاء الدعم السريع، وفي مقدمتهم الامارات العربية المتحدة، التي ترى في هذه الحرب مواجهة مباشرة مع التيارين المتطرفين: التيار الشيعي الذي تقوده إيران، والتيار السني الذي يقوده التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، والذي يمثل السودان أحد أبرز تمركزاته الساخنة.

 

ثامناً: احتمال توظيف الدعم السريع في ترتيبات ما بعد الحرب

في ضوء ذلك، قد يكون من الراجح أن تستعين القوى المنتصرة في الحرب ضد إيران بقوات الدعم السريع لتصفية جيوب حركة الاخوان المسلمين في السودان، ضمن ترتيبات إقليمية أوسع لإعادة تشكيل التوازنات. وهو توجه يتسق مع الرؤية التي تقودها دولة الامارات العربية المتحدة باعتبارها الحليف الأبرز لقوات الدعم السريع في حرب السودان.

 

تاسعاً: الاحتمال العقلاني ومسار التسوية

بناءً على ما تقدم، فإن الاحتمال العقلاني يتمثل في اقتناع جماعة الاخوان المسلمين التي تقود الحرب في السودان بضرورة التفاوض مع الدعم السريع، من أجل الوصول إلى تسوية سياسية تجنبها مواجهة مباشرة مع المحور المنتصر في الحرب الإسرائيلية الامريكية على إيران.

فالاستمرار في الرهان على دعم خارجي آخذ في التلاشي، أو على معادلات إقليمية في طور الانهيار، يحمل مخاطر جسيمة. أما الانخراط في تسوية سياسية، فيمثل خيارًا أقل كلفة، ويمنح الأطراف فرصة لإعادة التموضع داخل معادلة وطنية جديدة، بدلًا من الاصطدام بموجة إقليمية عاتية تعيد تشكيل الشرق الأوسط وأفريقيا على حد سواء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!