رأي

تحالف التغيير الجذري… ضجيج سياسي بلا مشروع

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

من لا يملك رؤية للمستقبل يظل أسير شعارات الماضي

في مشهد سياسي يعكس قدراً كبيراً من المفارقة، خرج ما يُعرف بـ«تحالف التغيير الجذري» ببيان سياسي جديد حاول فيه تقديم نفسه بوصفه حامل مشروع إصلاح للدولة السودانية. غير أن قراءة متأنية لمكونات هذا التحالف وخطابه السياسي تكشف سريعاً أن الأمر لا يتجاوز إعادة إنتاج خطاب احتجاجي تقليدي ظل يدور في ذات الدائرة المغلقة منذ سنوات، دون أن يقدم تصوراً حقيقياً لمعالجة الأزمة العميقة التي يعيشها السودان.

فالتحالف الذي أعلن عنه في الخرطوم يضم عدداً من الكيانات التي عُرفت تاريخياً بحضورها في ساحات الاحتجاج أكثر من حضورها في ساحات التفكير السياسي العميق أو بناء المشاريع الوطنية الكبرى. ومن بين أبرز مكوناته الحزب الشيوعي السوداني، وتجمع المهنيين السودانيين، والاتحاد النسائي السوداني، وهيئة محامي دارفور، وميثاق الشهداء والثوار، إلى جانب عدد من الأجسام المهنية والمطلبية الأخرى.

هذه الكيانات، رغم حضورها الصوتي العالي في المشهد السياسي، لم تثبت خلال العقود الماضية أنها قادرة على إنتاج مشروع فكري أو سياسي متماسك يمكن أن يقود تحولاً حقيقياً في بنية الدولة السودانية. بل إن معظمها ظل يمارس دوراً أقرب إلى “الظاهرة الصوتية”، حيث يتقن إصدار البيانات وتنظيم الاحتجاجات، لكنه يفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية القادرة على معالجة التعقيدات البنيوية للأزمة السودانية.

والأكثر إثارة للدهشة أن البيان الصادر عن هذا التحالف جاء مكرراً لنفس الشعارات التي ظلت تتردد منذ عقود، من قبيل الدعوة إلى إصلاح الخدمة المدنية، أو الحديث عن استقلال القضاء، أو المطالبة بإعادة هيكلة مؤسسات الدولة. وهي قضايا، رغم أهميتها، لا تمثل سوى سطح الأزمة، ولا تمس جذورها العميقة المرتبطة بطبيعة الدولة السودانية نفسها.

فالأزمة في السودان ليست مجرد أزمة إدارة أو خلل إداري يمكن إصلاحه ببعض التعديلات المؤسسية. إنها أزمة بنيوية عميقة تتعلق بطبيعة الدولة، وبالأسس التي قامت عليها منذ لحظة الاستقلال. ولذلك فإن أي مشروع سياسي جاد لا بد أن يبدأ من إعادة تعريف الدولة نفسها، ومن بناء عقد اجتماعي جديد يؤسس للمواطنة بوصفها أساساً للحقوق والواجبات، لا مجرد شعار سياسي يُرفع في البيانات.

غير أن تحالف التغيير الجذري، بدلاً من مواجهة هذه الأسئلة الكبرى، اختار أن يعيد إنتاج نفس الخطاب الذي تشكل داخل إطار ما يُعرف بدولة ما بعد الاستعمار. وهو الإطار الذي ظل يحكم التفكير السياسي في السودان لعقود، وقاد في نهاية المطاف إلى إعادة إنتاج نفس الأزمات والصراعات.

فالمفارقة أن كثيراً من القوى التي تتحدث اليوم عن «التغيير الجذري» ما تزال أسيرة نفس السرديات التي صاغتها دولة وكلاء الاستعمار، وتعاملت مع الدولة السودانية باعتبارها مجرد جهاز إداري يمكن إصلاحه ببعض الإجراءات التقنية. بينما الحقيقة أن الأزمة أعمق بكثير من ذلك، وتتطلب إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة، تشمل المؤسسة العسكرية والأمنية والخدمة المدنية معاً.

وفي هذا السياق تبرز مفارقة أخرى لا يمكن تجاهلها، وهي أن الحزب الشيوعي السوداني، أحد أبرز مكونات هذا التحالف، كان من أوائل الأحزاب التي أدخلت مسألة الولاء السياسي إلى مؤسسات الدولة، بما في ذلك الخدمة المدنية. كما أن تاريخ الحزب نفسه يرتبط بمحطات متعددة من التدخل في المؤسسة العسكرية والمشاركة في الانقلابات، وهي تجربة كان من الأولى أن تخضع لنقد ذاتي واضح قبل تقديم الدروس للآخرين.

إن القوى السياسية التي تريد الحديث عن إصلاح الدولة لا يمكنها أن تتجاوز مراجعة تجاربها السابقة، لأن أي مشروع للتغيير الحقيقي يبدأ أولاً من الاعتراف بالأخطاء. أما القفز فوق التاريخ وتقديم خطاب أخلاقي مجرد، فهو لا ينتج سوى مزيد من الضجيج السياسي.

وهنا يصدق المثل الشعبي الدارفوري الذي يقول: «الفي خرقه عويش ما بنطلي نار»؛ أي أن من يحمل عيباً واضحاً لا يستطيع أن يتظاهر بالكمال أمام الآخرين.

فالمشكلة الأساسية في تحالف التغيير الجذري ليست في لغته السياسية أو شعاراته، بل في غياب المشروع الحقيقي. فالتغيير الجذري لا يتحقق بالبيانات أو الشعارات، ولا بالخطابات التي تعيد تدوير نفس المفردات القديمة، بل يحتاج إلى رؤية فكرية عميقة تعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتؤسس لمؤسسات وطنية جديدة قادرة على إدارة التنوع السوداني المعقد.

أما البيانات التي تصدر بين الحين والآخر، مهما كانت لغتها حادة أو شعاراتها كبيرة، فإنها تظل أقل قيمة من الجهد الذي بُذل في كتابتها إذا لم تحمل معها مشروعاً حقيقياً للتغيير.

إن السودان اليوم يقف أمام لحظة تاريخية تتطلب تفكيراً سياسياً جديداً يتجاوز قوالب الماضي، ويخاطب جذور الأزمة لا مظاهرها. أما الاستمرار في إنتاج نفس الخطابات القديمة، تحت عناوين مختلفة، فلن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الأزمة وتعطيل مسيرة بناء الدولة التي ينتظرها السودانيون منذ عقود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!