رأي

البرهان يبحث عن الجيش الذي يقوده

سمية النور دهب ،، دبلن

 

سمية النور دهب ،، دبلن

في واحدة من أكثر لحظات السياسة السودانية سخريةً، خرج قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان ملوّحًا باتخاذ إجراءات صارمة ضد جماعات إسلامية ترتدي زي القوات المسلحة وتتحدث باسم «المجاهدين». كان الخطاب حادًا، والنبرة صارمة، والوعيد كبيرًا… لكن المشكلة الوحيدة أن الجمهور السوداني لم يسمع في كل ذلك سوى نكتة سياسية طويلة.

فالبرهان بدا، وهو يهدد هذه الجماعات، مثل قائد شرطة يعلن حربًا على عصابة بينما الجميع يعرف أن العصابة تسكن داخل مركز الشرطة نفسه.

القصة بدأت عندما أعلن أحد قادة التيار الجهادي أن «كتيبة البراء بن مالك» مستعدة للقتال إلى جانب إيران إذا اندلعت حرب برية مع الولايات المتحدة أو إسرائيل. تصريح كفيل بإشعال أزمة سياسية، لكنه في السودان تحول إلى مسرحية عبثية: جهاديون يتحدثون باسم الجيش، وقائد الجيش يهدد الجهاديين… بينما يقف الناس يتساءلون: من يقود من؟

الطريف في الأمر أن البرهان أعلن أن الجيش لن يسمح لأي جهة باستغلاله لتحقيق أهداف أيديولوجية. عبارة جميلة، أنيقة، ومناسبة تمامًا لو كانت قيلت في دولة أخرى. أما في السودان، فقد بدت لكثيرين مثل إعلان مفاجئ من قائد سفينة بأنه اكتشف للتو أن القراصنة يقودون الدفة.

الحقيقة التي يتداولها السودانيون بسخرية مرة هي أن القوات المسلحة لم تُخترق فجأة أمس. النفوذ الإسلامي داخلها ليس خبرًا جديدًا، بل قصة طويلة تمتد لعقود، منذ أن أصبحت جماعة الإخوان المسلمين لاعبًا رئيسيًا في مفاصل الدولة والجيش.

ولهذا كان رد الفعل الشعبي سريعًا: موجة من النكات والتعليقات الساخرة. البعض تساءل ببراءة: هل سيشكل البرهان لجنة للتحقيق مع الذين يقاتلون معه؟ وآخرون اقترحوا  بجدية ساخرة  أن يبدأ القائد العام أولًا بالبحث عن الجيش الحقيقي قبل أن يهدد من يتحدث باسمه.

المفارقة الأكبر أن البرهان حاول في خطابه التأكيد على تضامن السودان مع دول الخليج، مشيرًا إلى دعمها للسودانيين. لكن هذا التوضيح بدا كمن يحاول إطفاء حريق صغير في غرفة بينما المبنى كله يشتعل.

في النهاية، لم تكن المشكلة في خطاب البرهان ولا في تهديداته. المشكلة أن كثيرًا من السودانيين لم يعودوا يرون في هذه التصريحات سوى فصل جديد من مسرح العبث السوداني: حيث يهدد القائد جماعات يعتقد الناس أنها جزء من قوته، ويعلن السيطرة على جيش يتساءل الجميع عمّن يسيطر عليه بالفعل.

وهكذا تحولت الواقعة من أزمة سياسية إلى عرض كوميدي… لكن كوميديا سوداء لا يضحك فيها أحد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!