
خالد فضل
في ظل واقع الإنقسام الفعلي في السلطات السودانية ووجود سلطتين بكامل مسمياتهما تصبح قراءة الموقف السوداني من حرب الخليج الراهنة تتخذ مسارين كذلك . الظاهر أنّ السلطتين في نيالا والخرطوم قد أعلنتا موقفا موحدا ضد الهجمات الإيرانية على دول مجلس التعاون الخليجي كلها , لكن ما وراء هذا الموقف تكمن المفارقات الواضحة .
السلطة اتي يقودها قائد الجيش الفريق البرهان تواجه في أرض الواقع تنازعا مشهودا , فالحركة الإسلامية التي أشعلت الحرب أساسا لتتمكن من استعادة سطوتها السابقة كاملة لا تنقص موقعا , حددت موقفها المؤيد لإيران . ومضى اقيادي البارز في مليشيات الإسلاميين الناجي عبداله إلى التصريح العلني بهذا الموقف , وما إعلانه ذلك إلا تأكيدا على سطوة تنظيمه على الجيش وسلطته , وبالتالي تصبح تصريحات البرهان وتخذيراته بإغماض العيون لمن ينازعه في السلطة سوى تكرار لتصريحات كثيرة سابقة منذ أن كان يشغل منصب رئيس مجلس السيادة الإنتقالي الشرعي والذي كان يستمد شرعيته من ثورة ديسمبر المجيدة التي اندلعت ضد الإسلاميين وسلطتهم الغابرة . ففي أثناء تلك الفترة ولمدة عامين ( سبتمبر2019_أكتوبر2021م) كان البرهان يتوسل للإسلاميين بكف أياديهم وأقلامهم عن الجيش , بينما كان رد الإسلاميين حاضرا بشكل عملي عبر إحكامهم السيطرة على الجيش والأمن , فلما رأوا أن خطة الإتفاق الإطاري كانت تعمد إلى فك قبضتهم التي تعززت بعد انقلاب أكتوبر أشعلوا الحرب ليعودوا على وقعها أكثر قوة وتفوذا .
إنّ الفريق البرهان في مأزق ظاهر , فهو يطمع في سند خليجي خاصة من السعودية وقطر لتعزيز قبضته بينما يتهم دولة الإمارات بمساندة الدعم السريع الذي يقول إنه ضمن تحاف تأسيس يسعى لتخليص السودان من نفوذ وهيمنة الكيزان , وهو مسعى يتفق نظريا مع ما تطرحه دول الخليج عدا قطر , فكل الدول الأخرى تصنف جماعة الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية وهو ذات ما فعلته سلطات حكومة تأسيس بينما سلطة البرهان تعتمد بشكل مباشر على ذات الجماعة الإرهابية , ولا يمكن للفريق البرهان أن يراوع في هذه الناحية , فكل المواقع والمناصب في الحكومة التي يقودها يشغلها عناصر العهد المباد , بل تتمدد مليشياتهم لتشمل كل المحليات والوحدات الإدارية في الولايات التي يسيطر عليها الجيش ظاهريا بينما هي تحت السيطرة الفعلية لتنظيم الإسلاميين , لذلك فإن تصريحات الناجي وعيره من عناصر التنظيم تستند إلى الواقع بينما تظل تحذيرات وتصريحات البرهان فقاعات في الهواء فهو لا يستطيع عمليا فك إرتباطه بهذه المليشيات وتنظيمها وإلا وجد نفسه بدون سند حقيقي يبقيه على رأس السلطة ولو شكليا . ونظرة سريعة إلى تحالفاته القائمة الآن تكشف هشاشة موقفه , إذ لا قوة عسكرية ضاربة يعتمد عليها وتدين له بالولاء ولا قوة سياسية ذات وزن تقف إلى جواره , فقط جماعة الإسلاميين وتنظيمهم , وبطبيعة ذلك التنظيم وعدم تورعه من فعل أي شئ دون وازع من أخلاق أو قيم إنسانية يمكن لهم الذهاب إلى أقصى درجة في سبيل إحكام قبضتهم والسودان هو مركزهم الأخير بعد توالي الضربات على مراكزهم الأخرى في المنطقة , وفي السودان يواجهون واقع وجود قوة عسكرية وسياسية لا يستهان بها تنازلهم الآن في الميدان .
إن موقف سلطات تأسيس يأتي متسقا , ففي إدانتهم لعدوان إيران على دول الخليج لا يسثنون دولة , كما أنهم أحرار من سطوة تنظيم الإسلاميين الموالي لإيران وليس هناك من ينازع حميدتي على السلطة والنفوذ , فقد ولدت السلطة على خلفية ميثاق تأسيسي منشور ومحدد وليس على خلفية مراكز نفوذ متضاربة المصالح تجمعها المنفعة المؤقتة , وهذا يمنح موقفهم مصداقية في ميزان القراءة الموضوعية .




