
عماد أبكر جدو
أثار إعلان عودة لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو في السودان جدلاً واسعاً، ليس فقط بسبب توقيته، بل بسبب السياق السياسي المعقد الذي جاء فيه. فقد نشرت صحيفة سودان تربيون خبراً يفيد باستئناف اللجنة أعمالها برئاسة محمد الفكي سليمان، بعد سنوات من التجميد الذي أعقب الإطاحة بالحكومة الانتقالية بقيادة الدكتور عبد الله حمدوك. لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه: ما المغزى الحقيقي من هذه العودة؟
يرى الأستاذ محمد لطيف أن هناك معضلتين أساسيتين تحيطان بهذا القرار. الأولى تتعلق بشرعية اللجنة نفسها، إذ أُعيد تفعيلها بقرار من رئس اللجنة السيد محمدالفكي، وفي نفس الوقت تم تجميدها .من البرهان بعد انقلاب 25/اكتوبرويقارن لطيف ذلك بحال قوات الدعم السريع، التي صدر قرار بحلها من نفس الجهة، لكنها لا تزال تقاتل على الأرض وتحقق تقدماً ميدانياً، ما يضعف من القيمة القانونية والإجرائية لمثل هذه القرارات.
أما المعضلة الثانية، فهي غياب الوعي الجماهيري الفاعل، حيث جرى اختزال مهمة تفكيك نظام الإنقاذ في لجنة محدودة، بينما انحصر دور الشعب في المتابعة والتصفيق، انتظاراً لمؤتمرات صحفية أسبوعية. وهو نقد عميق يضرب في صميم تجربة الانتقال السياسي التي عانت من عزلة النخب عن القواعد الشعبية.
لكن العودة إلى الوراء تكشف تعقيدات أكثر عمقاً. فقد تشكلت لجنة التفكيك في ظل شراكة مدنية-عسكرية داخل مجلس السيادة، وكان يترأسها في البداية الفريق ياسر العطا قبل أن يتنحى تحت ضغوط الإسلاميين والفلول، ليخلفه محمد الفكي. حينها، ظن البعض أن استقالة العطا ستعطل اللجنة، لكن الأحداث أثبتت غير ذلك.
خلال فترة العملية السياسية التي رعتها الأمم المتحدة عبر مبعوثها فولكر بيرتس، وما عُرف بالاتفاق الإطاري، برزت انقسامات حادة داخل المكونين المدني والعسكري، وتباينت مواقف القوى السياسية وحركات الكفاح المسلح. بعض هذه القوى، مثل جبريل إبراهيم ومني أركو مناوي، وجهت نقداً لاذعاً للجنة التفكيك، بينما دعمتها قوى مدنية أخرى.
في المقابل، شهدت قوات الدعم السريع تحولاً في موقفها، إذ أقرت بخطأ مشاركتها في انقلاب 25 أكتوبر، وقدمت اعتذاراً للشعب السوداني، وانخرطت في دعم العملية السياسية. بل ووفرت حماية لورش تقييم أداء لجنة التفكيك، في مشهد يعكس حجم التداخل بين السياسة والأمن في السودان.
وسط كل هذه التعقيدات، يأتي إعلان عودة اللجنة أشبه بعبارة “عدنا” في برامج الأطفال،(سبيس تون ))كما لو أن شيئاً لم يكن. لكن الواقع مختلف تماماً. فالمشهد السياسي تبدل، وموازين القوى تغيرت، والتحالفات أعيد تشكيلها، لا سيما بعد قيام تحالف “تقدم” بقيادة عبد الله حمدوك، والذي ضم طيفاً واسعاً من القوى المدنية ولجان المقاومة.
غير أن هذا التحالف نفسه لم يسلم من الانقسامات، خاصة حول مسألة تشكيل حكومة موازية أو الاكتفاء بالدعوة لوقف الحرب. وكان من الممكن لأعضاء مجلس السيادة المدنيين أن يلعبوا دوراً حاسماً في تلك اللحظة، عبر سحب الشرعية من البرهان وإعادة تشكيل السلطة، لكن ذلك لم يحدث.
اليوم، وبعد مرور ثلاث سنوات على اندلاع الحرب، ومع صدور قرارات دولية تُحمّل الإسلاميين مسؤولية استمرارها، يبرز إعلان محمد الفكي كخطوة تحتاج إلى تفسير. هل هي محاولة لإحياء مسار العدالة الانتقالية؟ أم مناورة سياسية في لحظة إقليمية ودولية ضاغطة؟
الأهم من ذلك، مع من ستعمل هذه اللجنة؟ هل ستتعاون مع سلطة بورتسودان؟ أم مع حكومة تأسيس في نيالا .؟ فعمل لجنة التفكيك بطبيعته يتطلب أجهزة دولة: قضاء، شرطة، نيابات، وسجون. وإذا افترضنا أن القيادات العليا ستواجه محاكمات دولية، فإن الصفوف الثانية والثالثة تحتاج إلى منظومة عدالة محلية، وهي غير متوفرة في ظل الانقسام الحالي.
إن عودة لجنة التفكيك لا يمكن أن تكون مجرد قرار إداري أو تصريح إعلامي، بل يجب أن تأتي ضمن رؤية سياسية متكاملة، وتوافق وطني واسع، يضمن لها الشرعية والقدرة على التنفيذ. أما العودة بالشكل الحالي، فهي أقرب إلى إعادة إنتاج للأزمة، لا حل لها.
لقد انتهى زمن “الفهلوة السياسية” والمناورات قصيرة الأمد. والسودان اليوم بحاجة إلى مشروع وطني حقيقي ، يعالج جذور الأزمة، لا مظاهرها. فالتفكيك ليس مجرد لجنة، بل هو مسار شامل لإعادة بناء الدولة على أسس العدالة والمواطنة.
وما لم يتحول هذا المسار إلى قضية شعبية جامعة، لا مجرد مهمة لجنة، فإن كل عودة ستكون مجرد بداية مؤجلة لنهاية لم تأتِ بعد.




