معركة أبو قعود؛ أحد الأطفال القصر يكشف المستور: قالوا لينا كل أسرة لازم تجيب راجل للاستنفار
عباس احمد السخي

عباس احمد السخي
في معركة أبو قعود المشتعلة غرب الأبيض، وبين دخان الحرب وصخب البنادق، تكشّف مشهد يجلد الضمير الإنساني، حين وقع طفل قاصر، لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره، في الأسر على أيدي قوات الدعم السريع. كان الطفل في غاية الهلع والخوف، وقد بدا عليه أثر الصدمة وهو يروي تفاصيل مشاركته القسرية في القتال. قال بصوت متهدج وعينين غارقتين في الدموع: “قالوا لينا كل أسرة لازم تجيب راجل للاستنفار”. هذه العبارة المقتضبة تكشف حقيقة دامغة عن حجم الاستهتار بحياة الأطفال، وتفضح آليات التجنيد القسري الذي يستهدف القُصر في السودان دون رحمة أو وازع من ضمير.
إن ما جرى ليس مجرد حادثة عابرة أو خطأ فردي يمكن تجاوزه، بل هو انتهاك سافر وصارخ يخرق أبسط معايير الإنسانية ويصدم الضمير العالمي. تجنيد الأطفال جريمة مكتملة الأركان وفق القانون الدولي، وهو محظور بنصوص صريحة وواضحة لا تحتمل التأويل. فالمادة (38) من اتفاقية حقوق الطفل، التي صادق عليها السودان منذ العام 1990، تؤكد حظر إشراك أي طفل دون الخامسة عشرة في النزاعات المسلحة، بينما جاء البروتوكول الاختياري ليشدد الحظر على من هم دون الثامنة عشرة. أما نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية فقد اعتبر تجنيد الأطفال وإشراكهم في القتال جريمة حرب تستوجب الملاحقة أمام القضاء الدولي، دون سقوطها بالتقادم. وإلى جانب ذلك، فإن منظمة العمل الدولية في اتفاقيتها رقم (182) أدرجت التجنيد ضمن أسوأ أشكال العمل الجبري والاسترقاق.
وإذا كان القانون الدولي قد حسم الأمر وأغلق أي باب للمراوغة، فإن القوانين السودانية نفسها لا تقل وضوحاً في هذا الباب. فقد نص قانون الطفل لسنة 2010 صراحة على حظر إشراك أي طفل دون الثامنة عشرة في النزاعات المسلحة، واعتبر هذا الفعل جريمة جسيمة يعاقب مرتكبها. كما أن القانون الجنائي السوداني، وإن لم يضع مادة مستقلة لتجنيد القصر، إلا أن نصوصه المتعلقة بالاسترقاق والاتجار بالبشر والاستغلال كافية لتجريم هذه الممارسات. وعليه، فإن من يزج بالأطفال في جحيم المعارك يرتكب جناية مزدوجة: واحدة بحق القانون الدولي، وأخرى بحق التشريعات الوطنية.
إننا إذ نخاطب قوات الدعم السريع بشأن هذا الطفل، فإننا نؤكد أن أول واجب عليكم هو معاملته معاملة إنسانية تحفظ آدميته وطفولته، وأن تتم إعادته فوراً إلى أسرته عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر، دون إبطاء أو مماطلة أو استغلال سياسي. فالتعامل بسوء مع قاصر لا يضعكم فقط أمام أعين المجتمع الدولي، بل يضعكم في مواجهة مبادئ القانون الإنساني التي لا يمكن التنصل منها.
إننا ندين وبأقسى العبارات الجيش السوداني، والحركات العرقية المسلحة، وميليشيا كيكل، التي دأبت جميعها على الزج بالقصر في معاركها، وتحويل براءة الأطفال إلى وقود لحرب دموية خاسرة. هذه الممارسات تضعكم كلكم بلا استثناء في خانة مرتكبي جرائم الحرب، وهي جريمة لن يغفرها التاريخ ولن يرحمها القانون الدولي.
إن حادثة الطفل الأسير في أبو قعود ليست مجرد قصة يتيمة تروى، بل هي شهادة دامغة على واقع مظلم يُختطف فيه مستقبل الأطفال السودانيين ويُداس على طفولتهم بأقدام السلاح. دموع هذا الطفل المذعور ستظل شاهداً على وحشية الحرب، وستبقى وصمة عار تلاحق كل من جند أو أمر أو غض الطرف عن هذه الجريمة.
وليعلم الجميع أن الأطفال ليسوا جنوداً ولن يكونوا أبداً أداة في أيديكم لتصفية الحسابات. إن تجنيدهم جريمة حرب مكتملة الأركان، جريمة ضد الإنسانية، جريمة يندى لها جبين كل شريف. ومن ارتكبها أو تستر عليها سيظل عرضة للملاحقة والمحاسبة، مهما طال الزمن أو تغيّرت الظروف.




