
محمد داؤد بنداك
لم تكن جماعة الإخوان المسلمين في السودان مجرد حركة سياسية تسعى للمنافسة في المجال العام، بل كانت منذ نشأتها تنظيمًا عقائديًا هدفه الوصول إلى السلطة والسيطرة على الدولة. وفي سبيل تحقيق هذا الهدف لم تتردد الجماعة في استخدام مختلف الوسائل، إذ يقوم نهجها العملي على قاعدة مفادها أن الغاية تبرر الوسيلة، سواء كانت تلك الوسيلة انقلابًا عسكريًا، أو تلاعبًا بالعملية الانتخابية، أو توظيفًا للدين في الصراع السياسي.
وقد ظهرت ملامح هذا النهج منذ مرحلة مبكرة من تاريخ السودان الحديث. فبعد ثورة اكتوبر
التي أطاحت بحكم عبود ، دخل الإخوان المسلمون الساحة السياسية بواجهتهم المعروفة باسم جبهة الميثاق الإسلامي بقيادة حسن الترابي وخاضت الجماعة أول انتخابات بعد الثورة، لكنها لم تحقق سوى مقعدين فقط من أصل خمسة عشر مقعدًا مخصصة لدوائر الخريجين، وهي الدوائر التي اكتسحها حينها الحزب الشيوعي .
لم تكن تلك الخسارة مجرد نتيجة انتخابية عادية، بل تركت أثرًا عميقًا في عقل قيادة الجماعة. ومنذ ذلك الحين بدأ التفكير في تقويض التجربة الديمقراطية نفسها. فجاءت مؤامرة حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان لتشكل سابقة خطيرة في الحياة السياسية السودانية، وتكشف أن الديمقراطية بالنسبة للإخوان ليست قيمة يؤمنون بها، بل مجرد وسيلة مؤقتة للوصول إلى السلطة.
وفي أعقاب انتفاضة عام 1985 التي أطاحت بنظام جعفر نميري ، اجتمعت القوى السياسية السودانية للتوقيع على ميثاق لحماية الديمقراطية. غير أن حسن الترابي رفض التوقيع، معلنًا أن ذلك يتعارض مع ما سماه “فريضة الجهاد”، في إشارة واضحة إلى أن الجماعة لم تكن مستعدة للالتزام الحقيقي بالديمقراطية.
لكن اللحظة الحاسمة جاءت مع انقلاب عام 1989 الذي نفذه العميد عمر البشير بدعم مباشر من الحركة الإسلامية بقيادة الترابي. ومنذ اليوم الأول للانقلاب بدأ تنفيذ مشروع السيطرة الكاملة على الدولة عبر سياسة التمكين، التي هدفت إلى إحلال عناصر التنظيم محل مؤسسات الدولة.
فقد تم فصل عشرات الآلاف من العاملين في الخدمة المدنية تحت ذريعة ما سمي “الصالح العام”، كما جرى إقصاء عدد كبير من الدبلوماسيين والخبراء والمهنيين واستبدالهم بكوادر تنظيمية معيارها الأساسي الولاء السياسي لا الكفاءة المهنية.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أنشأ النظام شبكة من مراكز الاعتقال السرية التي عرفت في الذاكرة السودانية باسم بيوت الأشباح. وكانت تلك البيوت أماكن سرية يُحتجز فيها المعارضون السياسيون بعيدًا عن القانون، حيث تعرض كثير منهم لأبشع أنواع التعذيب الجسدي والنفسي، ووثقت شهادات عديدة حالات وفاة نتيجة التعذيب داخل تلك المعتقلات.
وعلى الصعيد الدولي، تورط النظام في سياسات أدت إلى عزل السودان عن المجتمع الدولي. ومن أخطر تلك الأحداث محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك عام 1995 أثناء زيارته إلى اديس ابابا للمشاركة في قمة أفريقية، وهو الحدث الذي أدى إلى أزمة سياسية إقليمية وعقوبات دولية على السودان.
كما أصبح السودان خلال التسعينيات ملاذًا لعدد من الجماعات المتطرفة، ومن بينها تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن الذي أقام في الخرطوم لسنوات، وهو ما عمّق عزلة السودان الدولية وزاد من الضغوط السياسية والاقتصادية عليه.
لكن رغم القبضة الأمنية للنظام، لم تتوقف مقاومة الشعب السوداني. فقد جاءت ثورة ديسمبر السلمية 2018 لتضع حدًا لثلاثة عقود من حكم الإخوان المسلمين، بعد أن خرج ملايين السودانيين إلى الشوارع مطالبين بالحرية والسلام والعدالة.
غير أن سقوط النظام لم يكن نهاية نفوذ الجماعة. فقد أعاد الانقلاب الذي قاده عبد الفتاح البرهان على الحكومة المدنية الانتقالية برئاسة د. عبد الله حمدوك فتح الباب أمام عودة شبكات النظام السابق.
فلم يقتصر ذلك الانقلاب على إسقاط الحكومة المدنية التي جاءت بها الثورة، بل تبعه أيضًا حل لجنة إزالة التمكين التي كانت تعمل على تفكيك شبكة نفوذ النظام السابق داخل مؤسسات الدولة. كما تم إلغاء عدد كبير من قراراتها وإعادة الأصول والمؤسسات التي استردتها إلى سيطرة عناصر النظام السابق.
وقد مكن ذلك جماعة الإخوان المسلمين من استعادة موارد مالية وتنظيمية مهمة استخدمت سريعًا في إعادة ترتيب صفوفها وتمويل أنشطتها السياسية والأمنية، بل وفي دعم تشكيلات مسلحة ذات طابع عقائدي رفعت شعارات “الجهاد”، مثل ما عرف بمليشيا البراء وغيرها.
وهكذا تحولت الحرب الدائرة في السودان إلى بيئة مناسبة لعودة شبكات النظام السابق، فالحرب تضعف مؤسسات الدولة وتعطل مسار الانتقال الديمقراطي، وتؤجل أي عملية للمحاسبة على الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت خلال سنوات حكمهم.
واليوم يقف السودان أمام مفترق طرق تاريخي:
إما أن ينجح في بناء دولة مدنية ديمقراطية حقيقية تقوم على المواطنة وسيادة القانون، أو أن يبقى أسيرًا لدورات متكررة من الانقلابات والحروب التي غذتها صراعات السلطة باسم الدين.
محمد داؤد بنداك
مارس 2026.




