سودان جديد – نفسياً (1) المقال الاسبوعي المحور الأول: خريطة العقل المُحتل – علم نفس الأزمة
مجدي محمد مصطفى ماكن

مجدي محمد مصطفي ماكن
ما تفعله الصدمة الجماعية بالمجتمع
1/ جسدٌ يرفض النسيان
في صبيحة يوم تناقلت فيه وكالات الأنباء ومجموعات “الواتساب” بوادر هدنة طال انتظارها، كان “عثمان” يجلس في باحة منزل ضيق استأجره بضعف ثمنه في مدينة بورتسودان. كان يقلب شاشة هاتفه بتوتر خفي، بينما يتصاعد بخار الشاي الساخن من الكوب الذي وضعته زوجته أمامه. كانت الزوجة تبتسم للمرة الأولى منذ أشهر طويلة. التفتت إليه وعيناها تلمعان بأمل حقيقي، وقالت بنبرة مشبعة بالرجاء: “الحمد لله، أخيراً حنقدر نرجع بيتنا في أم درمان، الأولاد ديل تعبوا من النزوح”.
لكن عثمان لم يكن يشاركها هذا الارتياح بأي شكل من الأشكال. على العكس تماماً؛ كان قلبه ينقبض بقوة داخل صدره، وبطنه تعتصر وكأن خطراً داهماً يحدق به في هذه اللحظة بالذات. بدأت يداه تتعرقان ببرودة، وشعر بانقباض مفاجئ في عضلات فكيه. التفت إليها بوجه متجهم، ورد بضيق وانفعال غير مبررين: “يا ولية ما تفرحي ساي وتأملي الأولاد، دي ملعوبة واضحة، ديل بيستعدوا لمعركة أكبر، حتحصل مصيبة قريب”.
عثمان لم يكن محللاً سياسياً يمتلك معلومات سرية من غرف التفاوض المظلمة. ولم يكن يقرأ المشهد بناءً على معطيات استراتيجية معقدة أو تقارير استخباراتية. كان ببساطة عبارة عن مواطن أعزل، يحاول غريزياً أن يحمي ظهره من أمل كاذب قد يكسره مجدداً. لقد علّمته التجارب المتراكمة في بلاده أن الفرحة غالباً ما تكون فخاً يسبق الكارثة.
لقد خرج عثمان من الخرطوم تحت أزيز الرصاص. مرّ بارتكازات تفتيش مرعبة، ورأى جاره يسقط مضرجاً بدمائه، وسمع صرخات الرعب تتصاعد من المنازل المجاورة. هذه التفاصيل القاسية لم تمر عبر عقله كذكريات سيئة فحسب، بل حُفرت في نظامه العصبي كـ “شفرات بقاء”. ورغم أنه يجلس الآن في مدينة آمنة نسبياً، ويبعد مئات الكيلومترات عن خط النار، إلا أن جسده لا يزال يعيش في قلب المعركة.
هذا الخوف الغريزي من لحظات الهدوء، وهذا الشعور الدائم بأن الأسوأ لم يأتِ بعد، ليس تشاؤماً شخصياً يعاب عليه عثمان. وليس سوء ظن نابعاً من خلل أخلاقي أو ضعف في شخصيته. إنه استجابة بيولوجية ونفسية عميقة لواقع لم يمنحه الأمان يوماً. جسد عثمان كان يتذكر بوضوح كل ما يحاول عقله جاهداً أن يتجاوزه. حين لاح طيف “السلام” المجهول، قرأه جهازه العصبي المنهك كتهديد جديد يتطلب الاستنفار، لا كفرصة للراحة.
2/ لماذا نخاف من السلام؟
قصة عثمان ليست حالة فردية نادرة، بل هي صورة مصغرة لواقع يعيشه ملايين السودانيين المشردين في معسكرات النزوح، وفي مدن اللجوء، وحتى في دول الاغتراب البعيدة. نحن أمام أمة كاملة تتشارك نفس الأعراض، ونفس القلق، ونفس التوجس القاتل.
هذا يضعنا أمام مجموعة من الأسئلة الجوهرية والمعقدة، التي لا يمكن للسياسة وحدها أن تجيب عليها:
لماذا يعجز مجتمع كامل عن التقاط أنفاسه؟ ما الذي يحدث للعقل الجمعي حين يتعرض لصدمات متتالية من الحروب، والتهجير، والفقر المدقع، دون أن يجد وقتاً كافياً للتعافي بين الكارثة والأخرى؟
لماذا نُدمر فرص النجاة بأيدينا؟ كيف نفسر العجز المتكرر للسودانيين عن اتخاذ قرارات جماعية رشيدة، وميلهم الدائم لتخوين بعضهم البعض، حتى في لحظات الفرص التاريخية النادرة التي كانت كفيلة بإنقاذ البلاد؟
لماذا يبدو المجهول الآمن مرعباً أكثر من المألوف المدمر؟ ما الذي يجعل مجتمعاتنا تتوجس من التسويات والسلام بأكثر مما تخاف من استمرار الأزمات؟ ولماذا نفضل أحياناً البقاء في خندق مظلم نعرفه، على الخروج إلى مساحة نور لا نأمن تقلباتها؟
هذا ليس مجرد خلل في التحليل السياسي، أو غياباً للرؤية الاستراتيجية عند المواطن البسيط أو النخب على حد سواء. نحن هنا أمام ظاهرة جسدية، وعصبية، ونفسية بالغة التعقيد، ولها تفسير علمي دقيق في أروقة الطب النفسي الحديث.
إنه تفسير يشرح كيف يقوم الألم المتراكم، والرعب المستمر، بإعادة تشكيل أدمغتنا فعلياً. وكيف تتم برمجة عقولنا على توقع الهزيمة، ورصد المؤامرات، والتمترس خلف الهويات الضيقة، حتى قبل أن تبدأ المعركة الحقيقية لبناء الوطن.
3/ عندما يرفض الدماغ إعلان نهاية الحرب
للإجابة على هذا اللغز المعقد، يجب أن نضع التحليلات السياسية جانباً للحظة. علينا أن نستعير عدسة علم النفس الحديث، وتحديداً علم الأعصاب السلوكي. نحن نميل عادة للاعتقاد بأن الإنسان الذي ينجو من الحرب، أو النزوح، أو القهر المستمر، يطوي الصفحة ببساطة. نعتقد أنه يكمل حياته بشكل طبيعي بمجرد زوال الخطر المباشر وابتعاده عن أصوات الرصاص.
لكن العلم يخبرنا بقصة مختلفة، وأكثر تعقيداً وقسوة بكثير. الصدمة النفسية لا تنتهي بانتهاء الحدث المخيف.
هنا نعود إلى أعمال الطبيب النفسي البارز والعالم الرائد “بيسيل فان دير كولك” (Bessel van der Kolk). في كتابه المرجعي الشهير “الجسد يحتفظ بالحساب” (The Body Keeps the Score)، ينسف فان دير كولك الفهم التقليدي والسطحي للصدمة. لقد أثبت علمياً أن الصدمة ليست مجرد ذكرى سيئة تسكن في مؤخرة العقل ويمكن النسيان أو التغاضي عنها. بل هي حدث قاهر يعيد تشكيل نظامنا العصبي بالكامل. إنها تغير الطريقة التي نرى بها العالم، وتغير الطريقة التي تعمل بها أدمغتنا بيولوجياً وكيميائياً.
لفهم هذه الآلية، دعونا نلقي نظرة مبسطة جداً على تشريح الدماغ البشري. يتكون دماغنا من جزأين رئيسيين يعملان بتوازن دقيق في الظروف الطبيعية. الجزء الأول هو “العقل المنطقي” (القشرة الجبهية)، وهو الجزء المسؤول عن التحليل، والتخطيط، واتخاذ القرارات العقلانية، وتقييم المخاطر الحقيقية بهدوء.
أما الجزء الثاني فهو “عقل البقاء” أو العقل البدائي. وفي قلب هذا الجزء تقع غدة صغيرة بحجم حبة اللوز تُسمى “اللوزة الدماغية” (Amygdala). تعمل هذه اللوزة الدماغية كـ “جهاز إنذار مبكر للحرائق”. وظيفتها الأساسية هي رصد أي تهديد محتمل في البيئة المحيطة، وإطلاق إشارات الخطر الفورية لتهيئة الجسد لرد فعل غريزي: إما القتال، أو الهروب، أو التجمد.
حين يتعرض الإنسان لخطر مميت، أو يعيش تحت قهر مستمر وخوف من المجهول، يحدث شيء مذهل وخطير داخل جمجمته. يقوم الدماغ فوراً بإطفاء “العقل المنطقي” تماماً. لماذا؟ لأن التفكير المنطقي عملية بطيئة، وفي لحظات الخطر الداهم لا يملك الإنسان رفاهية الوقت للتفكير العقلاني أو التأمل الفلسفي.
في تلك اللحظة الحرجة، يتولى “عقل البقاء” واللوزة الدماغية عجلة القيادة بالكامل لحماية الجسد من الهلاك. يفرز الجسد هرمونات التوتر، مثل الكورتيزول والأدرينالين، بمستويات هائلة لتمكين الإنسان من الركض السريع، أو القتال الشرس، أو الاختباء بانتباه شديد.
المشكلة الحقيقية، والمأساة الطبية الفعلية، تبدأ بعد النجاة وزوال الخطر. في الحالات الطبيعية، يعود “جهاز الإنذار” للهدوء، ويستأنف “العقل المنطقي” عمله. لكن بالنسبة للشخص الذي تعرض لصدمة قاسية، يرفض النظام العصبي العودة إلى حالته الطبيعية. يتعطل “جهاز الإنذار” ويصبح مفرط الحساسية للدرجة القصوى.
يظل الدماغ عالقاً في وضعية “الاستنفار الأقصى” (Hyperarousal). يُصبح العقل مبرمجاً على رؤية التهديدات في كل مكان. يرى الخطر في وجوه الغرباء، وفي الإيماءات العابرة، وفي الأخبار العادية، وحتى في لحظات الهدوء. هذا الخلل البيولوجي هو ما يجعل الشخص المصدوم يقرأ الأحداث الحيادية، أو حتى المبادرات الإيجابية، كتهديدات مميتة. الجسد هنا لا يهاجم صاحبه كما قد نظن، بل يحاول حمايته بطريقة مبالغ فيها ومدمرة في آن واحد.
من الفرد إلى المجتمع: ولادة الصدمة الجماعية
والآن، لنأخذ هذا الفهم البيولوجي الدقيق وننتقل به من مستوى الفرد الواحد، إلى مستوى المجتمع بأكمله. ماذا يحدث حين لا يتعرض فرد واحد فقط لهذه الصدمة، بل مئات الآلاف، أو الملايين من البشر في نفس الوقت؟ ماذا يحدث حين تتوارث أجيال كاملة هذا العنف المفرط، وهذا الخوف المتأصل من المجهول؟
هنا يطرح علماء الاجتماع وعلم النفس الجمعي، مثل الباحث كاي إريكسون (Kai Erikson)، مفهوماً بالغ الأهمية يُسمى “الصدمة الجماعية” (Collective Trauma).
الصدمة الجماعية لا تحدث فقط لأن مجموعة كبيرة من الأفراد تعرضوا للأذى. بل تحدث حين يُضرب نسيج المجتمع ذاته في مقتل. هي جرح عميق يصيب “الهوية المشتركة” و”المعنى” الذي يجمع هؤلاء الناس. في حالة الصدمة الجماعية، يفقد المجتمع بالكامل قدرته على تصور مستقبل آمن ومشترك. يصبح الخوف المفرط، وعدم اليقين، والشك الدائم، هو الوضع الافتراضي والأرضية المشتركة لثقافة كاملة.
الثقة هي الإسمنت الرابط لأي مجتمع بشري طبيعي. هي التي تجعلنا ننام بأمان وعيوننا مغمضة، ونحن نعلم أن جيراننا أو شركاءنا في الوطن لن يعتدوا علينا في الظلام. لكن الصدمة الجماعية تفتت هذا الإسمنت وتطحنه تماماً. تُستبدل الثقة بشك غريزي وحاد تجاه “الآخر”.
يصبح الدماغ الجمعي للمواطنين مبرمجاً فقط على رصد المؤامرات، وتوقع الخيانات، وتفسير أي خطوة من الطرف الآخر على أنها فخ مميت للإبادة أو الإقصاء. السلام والتسويات تتطلب من المجتمع تخفيف دفاعاته، وفتح بابه للآخر، والثقة في النوايا. لكن تخفيف الدفاعات في بيئة تاريخية خطرة ومصدومة، يعني الانكشاف للموت المجاني.
المجتمع المصدوم لا يرفض السلام لأنه مجتمع دموي يكره الاستقرار. بل يرفضه لأنه ببساطة لم يتدرب يوماً على العيش فيه. السلام بالنسبة للعقل الجمعي المصدوم يشبه إجبار شخص لا يجيد السباحة على القفز في مياه محيط عميقة ومظلمة. هذا الشخص سيفضل البقاء على يابسة قاحلة، محترقة، ومدمرة يعرف قوانينها وتضاريسها القاسية، على أن يجازف بالغرق في مجهول لا يستطيع السيطرة عليه.
هذا الشلل الجماعي، وهذا التخوين المتبادل الذي نعيشه، ليس قدراً جينياً نولد به. وليس نقيصة أخلاقية في تكويننا الثقافي. بل هو عَرَض طبي، واستجابة عصبية لمرض عضال لم نقم بتشخيصه، ولم نمنح أنفسنا يوماً فرصة حقيقية للشفاء منه.
4/ التطبيق السوداني: تاريخ من الفرص الضائعة والأعصاب المنهكة
إذا قمنا بإسقاط هذا الفهم العلمي الدقيق على واقعنا المعاش، سنرى بوضوح مرعب كيف تلاعبت الهندسة الاجتماعية لـ “دولة 56” بوعينا الجمعي. منذ فجر الاستقلال، لم يعش السودانيون فترة استقرار حقيقية ومستدامة خالية من الإقصاء أو الحروب. لقد تعرضت مجتمعات الهامش والأطراف لعنف مباشر، وتهميش ممنهج، وإبادة أحدثت شروخاً غائرة في ذاكرتها الجسدية والنفسية.
وفي المقابل، لم يكن المواطن في المركز يعيش في نعيم حقيقي. بل عاش لعقود تحت وطأة الانقلابات العسكرية المتتالية، وحالة الطوارئ المستمرة، والانهيار الاقتصادي البطيء. نحن أمام أمة كاملة تعيش في خندق دفاعي منذ سبعة عقود؛ أمة تبرمجت أجهزتها العصبية على تلقي الضربات وتوقع الخيانات.
لنتأمل سوياً لحظات الفرص التاريخية الكبرى التي مرت علينا. ثورة أكتوبر 1964، انتفاضة أبريل 1985، اتفاقية نيفاشا 2005، وصولاً إلى ثورة ديسمبر 2019 المجيدة. في كل هذه المحطات المفصلية، كان المجتمع السوداني يصل بشجاعة نادرة إلى ذروة التغيير ويهتف للحرية. ثم، وبشكل شبه مفاجئ، تتفجر الانقسامات الحادة. تنهار الثقة الهشة بين مكونات المجتمع في صالونات الأفندية، وفي شوارع المدن، وفي غرف القرار على حد سواء.
لماذا يصعب علينا جداً اتخاذ قرارات جماعية رشيدة في تلك اللحظات الفاصلة؟ لماذا نعود دائماً إلى المربع الأول؟
الجواب لا يكمن في فشل النخب السياسية فحسب، بل يكمن فيما شرحه علم الأعصاب للتو. نحن ندخل هذه اللحظات التاريخية بأجهزة عصبية منهكة تماماً ومثقلة بصدمات الماضي السحيق. في أوقات التغيير الجذري وبناء الدول، تبرز الحاجة الماسة للثقة المتبادلة والتنازلات المؤلمة. لكن المجتمع المصدوم، العالق كيميائياً في وضعية “الاستنفار الأقصى”، لا يستطيع التنازل بسهولة أبداً. هو يرى في كل تنازل سياسي تهديداً مباشراً بوجوده، ومحواً نهائياً لهويته.
تخيل معي مشهداً متكرراً ومألوفاً في قاعات التفاوض السودانية بعد كل انتفاضة شعبية. يجلس ممثل لـ “الهامش” مقابل ممثل لـ “نخب المركز”. نظرياً، كلاهما يصرح بأنه يريد بناء دولة مستقرة ومؤسسات وطنية فاعلة. لكن ما يحدث تحت السطح، وما يدور داخل جماجمهم، مختلف تماماً. بمجرد أن يطرح أحدهما مطلباً جذرياً يتعلق بإعادة الهيكلة وتوزيع الثروة، يقرأه جسد الطرف الآخر فوراً كتهديد مميت.
ممثل الهامش، الذي يحمل إرثاً ثقيلاً من الظلم، يسمع في كل تحفظ أو تأجيل من الطرف الآخر صدى لسنوات التهميش المتعمد والاتفاقيات المنقوضة. حين تُلدغ مجتمعات بأكملها من نفس الجحر عقوداً طويلة، يصبح الحذر الشديد والشك المفرط هو طوق النجاة الوحيد. هذا الاستنفار الدائم يحمي الفرد من الخطر المباشر، لكنه يمنعه أيضاً من بناء التحالفات السياسية العريضة. يصبح هذا المفاوض يرى كل العروض السياسية كأنها “ملفلفة” ومبطنة بالخداع.
على الضفة الأخرى من الجرح، يواجه ممثل المركز صدمته الخاصة. هو يسمع في كل مطالبة جذرية بالتغيير تهديداً بانهيار الدولة بأكملها، واستلاباً لحقوقه التاريخية المتوهمة. هنا لعبت منظومة الهيمنة القديمة دورها التاريخي الأخطر في تغذية هذه الصدمة لضمان بقائها. لقد استخدمت هذه النخب تقنية إثارة الفزع ببراعة منقطعة النظير.
قامت هذه المنظومة بربط أي محاولة جادة لتفكيك “دولة الامتياز” بـ “الانهيار الشامل” في اللاوعي الجمعي. تمت برمجة قطاعات واسعة جداً في مدن الوسط والشمال على قناعة راسخة: صعود الهامش يعني الفوضى، والخراب، والانتقام. هذا الرعب المزروع بعناية دفع الكثير من المواطنين الطيبين للدفاع عن نظام عسكري وأمني ظالم، كنوع غريزي من حماية الذات والخوف من المجهول.
النتيجة الحتمية والمدمرة لهذا المشهد هي “اصطدام صدمتين” ببعضهما البعض. في تلك القاعات، وفي نقاشاتنا اليومية على مواقع التواصل، نحن لسنا مجرد مواطنين نختلف على تفاصيل الوثائق الدستورية، ولا على نسب تقاسم السلطة فحسب. نحن نتقاتل بضراوة لأن كل طرف يرى في الآخر تهديداً وجودياً داهماً.
حين تجتمع شريحة تخاف بشدة من فقدان هويتها ومكانتها، مع شريحة أخرى تخاف من تكرار إبادتها وطمسها، يصبح إطلاق تهم “التخوين” هو الدرع الواقي للجميع. نحن لا نخون بعضنا البعض لأننا نكره بعضنا، بل لأن أجهزتنا العصبية تطلق أجراس الإنذار مبكراً، وتترجم كل اختلاف في الرأي كخيانة للقبيلة أو للمنطقة.
إن مشروع السودان الجديد لا يُبنى فقط بكتابة دساتير مثالية وتأسيس مفوضيات للانتخابات. بل يبدأ، قبل كل شيء، بتحرير العقل السوداني من برمجة الهزيمة والتوجس. الورق لا يعالج القلوب المكسورة، وصناديق الاقتراع لا تمحو الصدمات العصبية المتراكمة. إن فهمنا العميق لهذه الآلية البيولوجية والنفسية يحررنا أخيراً من وهم أن العيب في جيناتنا أو في أصلنا. وهو يضع أيدينا بوضوح على الجرح الحقيقي الذي ينزف بصمت منذ العام 1956.
5/ إدمان الخندق الآمن
هنا نصل إلى اللحظة التي تتطلب منا أقصى درجات الصدق والمواجهة مع الذات. النقطة العمياء التي نتشاركها جميعاً كأفراد ومجتمعات في السودان، والتي نرفض غالباً الاعتراف بها، هي أننا أصبحنا “ندمن” حالة الاستنفار. لقد تحول الخوف من مجرد استجابة بيولوجية مؤقتة للحماية، إلى “منطقة راحة” (Comfort Zone) نفسية نختبئ بداخلها من استحقاقات البناء.
حين يعيش الإنسان والمجتمع لعقود طويلة في وضعية “البقاء على قيد الحياة”، يصبح السلام والتسامح عبئاً ثقيلاً. السلام يتطلب الهشاشة والانفتاح؛ يتطلب أن تُسقط درعك، وأن تمد يدك للآخر، وأن تثق في أن هذه اليد لن تُقطع. لكن بالنسبة للعقل المصدوم، هذه الهشاشة تبدو كأنها انتحار طوعي. ولذلك، نجد أنفسنا، دون وعي منا، نمارس التخريب الذاتي لفرص النجاة.
نحن نتمسك بمراراتنا لأنها تمنحنا هوية واضحة ومألوفة. الغضب الموجه تجاه “الآخر” يعفينا من الجهد الشاق المطلوب للتفكير في حلول معقدة لدولة منهارة. من الأسهل بكثير أن تظل في خندقك المظلم، تتبادل الاتهامات وتخون شركاء الوطن، بدلاً من أن تخرج إلى النور لتتحمل مسؤولية تأسيس عقد اجتماعي جديد يفرض عليك تقديم تنازلات مؤلمة. هذه هي المأساة الحقيقية للصدمة الجماعية؛ إنها تجعلنا نخشى الدواء بنفس القدر الذي نخشى به المرض، لأن الدواء يتطلب تغييراً، والجسد المصدوم يرتعب من أي تغيير.
6/ مسار الخروج: من النجاة إلى الحياة
كيف نكسر هذه الدائرة الجهنمية؟ التعافي من الصدمة الجماعية لا يعني أبداً أن نصاب بفقدان الذاكرة التاريخية. لا يُطلب من النازح أن ينسى قريته التي حُرقت، ولا يُطلب من المواطن المنهوب أن يتنازل عن حقه في العدالة وجبر الضرر. الشفاء لا يعني محو الماضي، بل يعني تجريد هذا الماضي من سلطته المطلقة على حاضرنا ومستقبلنا.
الخطوة الأولى في مسار الخروج تبدأ بـ “الوعي البيولوجي”. حين يدرك المواطن السوداني أن خفقان قلبه السريع، وتوجسه المستمر، وغضبه السريع تجاه الأخبار أو المبادرات، ليس بالضرورة قراءة سياسية صحيحة، بل هو غالباً “إنذار كاذب” تطلقه لوزته الدماغية المنهكة؛ حينها فقط يبدأ في استعادة السيطرة. هذا الوعي يمنح العقل المنطقي فرصة للتدخل وإيقاف الاستنفار العبثي.
على المستوى الجمعي، نحن بحاجة ماسة إلى ممارسة ما يُعرف في علم النفس بـ “النمو ما بعد الصدمة” (Post-Traumatic Growth).
هذا النموذج يخبرنا أن المجتمعات التي تعرضت لأقسى أنواع الدمار، يمكنها أن تستخدم هذا الألم المروع كوقود لإعادة بناء نفسها بنسخة أكثر وعياً وصلابة، بدلاً من استخدامه كمبرر للانتقام. يحدث هذا النمو حين نتوقف عن احتكار صفة “الضحية” لأنفسنا فقط. حين يدرك ابن الهامش أن ابن المركز يعيش أيضاً صدمة مركبة من الخوف والتجهيل، وحين يدرك ابن المركز أن غضب الهامش هو صرخة ألم تاريخية وليس هجوماً شخصياً عليه؛ تتكسر الجدران.
الشفاء الجماعي يتطلب منا خلق “مساحات آمنة” للتعبير عن هذا الألم دون تخوين. يتطلب أن نستمع لبعضنا البعض ليس للرد أو الدفاع، بل للفهم. إن قرار التعافي هو قرار شجاع بالتوقف عن توريث معاركنا لأبنائنا. هو إعلان حازم بأننا سنكون الجيل الذي امتص الصدمة، وتحمّل ألمها، وقرر ألا يمررها إلى الجيل القادم.
7/ الأداة العملية: مقياس الاستنفار الذاتي
لنختم هذا الأساس العلمي بتمرين تفاعلي. هذا التمرين مصمم لمساعدتك على فحص الطريقة التي يقرأ بها دماغك الأحداث اليومية، لتعرف ما إذا كان “عقل البقاء” المصدوم هو من يقودك، أم “عقلك المنطقي”.
في المرة القادمة التي تقرأ فيها خبراً سياسياً، أو مبادرة للسلام، أو حتى منشوراً يختلف مع قناعاتك، راقب جسدك وأفكارك بصدق، وأجب عن هذه الأسئلة بينك وبين نفسك:
( ) هل شعرت بانقباض مفاجئ في الصدر أو تسارع في ضربات القلب قبل حتى أن تكمل قراءة تفاصيل الخبر؟
( ) هل قفز عقلك مباشرة إلى “أسوأ سيناريو ممكن”، وافترضت وجود مؤامرة خفية لتدميرك أو تدمير مجموعتك؟
( ) هل وجدت نفسك تبحث في النص عن أي كلمة أو عبارة لتثبت بها أن الطرف الآخر “خائن” أو “عدو أزلي”، متجاهلاً أي نقاط التقاء ممكنة؟
( ) هل تشعر بغضب شديد إذا اقترح شخص ما ضرورة تقديم “تنازلات متبادلة” لإيقاف الانهيار، وتعتبر ذلك استسلاماً مهيناً؟
إذا انطبقت عليك واحد أو معظم هذه الإجابات، فلا تبتئس ولا تجلد ذاتك. هذا ببساطة دليل علمي قاطع على أن جهازك العصبي يحمل ندوب الصدمة الجماعية التي نعيشها جميعاً. الوعي بهذه الحقيقة هو الخطوة الأولى والأهم. في المرة القادمة التي تشعر فيها بهذا الاستنفار، خذ نفساً عميقاً، وقُل لنفسك بوعي: “هذا الخوف هو إرث الماضي، لكن قراري اليوم يجب أن يصنعه عقلي المنطقي من أجل المستقبل”.
الأسبوع القادم:
الصدمة عبر الأجيال: كيف نرث مخاوف أجدادنا؟




