رأي

سودان بلا دولة.. الفوضى وصمت اللاعبيين الكبار

علي سانتينو

 

علي سانتينو

السودان اليوم لم ينهار ببطء بقدر ما يسقط سقوطاً مدوياً أمام أعين العالم، وفي هذة الظروف تتفرج القوى التي تملك القدرة على إيقاف الانهيار لترك المجال للفوضى إلى أن تتشكل معادلات جديدة. هذا الخراب لم يتنزل فجأة؛ هو نتيجة طبيعية لتراكمات صنعتها سنوات من الفوضى السياسية، وصراعات النفوذ، وتسلّط الجماعات العقائدية التي تعاملت مع الدولة السودانية وكأنها ملكية خاصة، وما حرب 15 أبريل سوى اللحظة التي انهارت فيها آخر أقنعة الاستقرار في البلاد!

وفي خضم الانفلات الذي حوّل السودان إلى دولة شاغرة بلا حكومة ولا مؤسسات، تتصاعد تحليلات سياسية تربط بين لقاء جمع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، وبين محاولة وضع السودان على جدول الأولويات الدولية. ليست المشكلة في لقاء ترامب وبن سلمان، المشكلة في أن السودان وصل إلى وضع يُجبر اللاعبين الكبار على الالتفات إلى ما يتدحرج هناك. فالدولة اليوم تُدار بالرصاص والدم، والقرار السياسي مخطوف بين جيش يحارب تحت ضغط وجودي، وإسلامويين يتحركون كأن ساعة عودتهم إلى الحكم قد دقت، ومع ذلك تتسلل قوى متطرفة عبر الفوضى، ومستفيدة من غياب الدولة وخوائها من أي سلطة حقيقية!

وبحسب ما يتداوله مراقبون، يبدو أن ولي العهد السعودي قد طرح بوضوح أمام ترامب حقيقة الوضع السوداني وهو أن السودان لا ينهار فقط، بل يُفتح سريعاً أمام شبكات التطرف والارهاب، وأن استمرار الحرب دون كوابح فعلية يجعل البحر الأحمر مهدداً بتحولات كارثية. التحذير السعودي، كما يُستنتج من قراءة المواقف، كان أقرب إلى دق ناقوس الخطر، ولا أحد سينجو إذا تُرك السودان ليصبح نسخة جديدة من صومال أكثر اتساعاً وأشد تعقيداً. أما واشنطن التي طال صمتها هي الاخرى ستجد نفسها مجبرة على التدخل بعدما صار الفراغ السوداني جزءاً من معركة السيطرة على واحد من أهم شرايين التجارة العالمية!

والمثير فعلاً هو التحوّل المفاجئ في موقف البرهان ومن حوله. الجنرال الذي رفض الرباعية بقيادة الولايات المتحدة، وهاجم وساطاتها، واعتبر الضغوط الدولية تجاوزاً للسيادة، عاد اليوم فجأة يتتبع أي إشارة أميركية تاتي عبر ولي العهد السعودي. هذا التبدل الحاد يكشف هشاشة موقف البرهان السياسي والعسكري، وكأنه يدرك أن الخراب تجاوز القدرة على التحكم، وأن الأطراف الدولية بدأت تتحرك فوق رؤوس الجميع، وأن دور قائد الجيش في مستقبل السودان اصبح هامشياً ما لم يجد مسانداً يضمن بقاءه!

أما الإسلاميون الذين ملأوا الدنيا ضجيجاً، وحشدوا السلاح والمستنفرين بلا حساب، وأغرقوا البلاد في معركة لا يعرف أحد كيف تُخاض أو كيف تنتهي، فقد صمتوا صمتاً يثير الريبة أمام التحركات السعودية الاخيرة. صمتٌ يشي بالارتباك أو بالترقب أو بالرضا المكتوم. فالذين ظلوا يصرخون ببل بس، ولا صوت يعلو فوق صوت الحرب، فجأة وجدوا أنفسهم خارج إيقاع الأحداث الكبرى، وان مستقبل السودان يُكتب في غرف مغلقة لا مكان لهم فيها. وهذا وحده كافٍ ليكشف هشاشة مشروعهم الذي يتغذى على الدم لكنه يرتعب من أي تسوية حقيقية!

وفي هذا المشهد المضطرب، يبرز الدور المصري الذي لا يمكن تجاهله. فالقاهرة، التي ترتبط عضوياً بمصير الخرطوم، لم تكن يوماً متفرجة على ما يجري فيها. وبحسب تقديرات واسعة الانتشار، فإن الجيش المصري قدّم دعماً سياسياً ولوجستياً وعسكرياً لجناح البرهان وجيش الحركة الاسلامية، يشمل أسلحة نوعية وصل بها الحال الى التدخل بالطائرات، هو تدخل يؤثر مباشرة في ميزان القوة. هذا ليس مجرد اصطفاف؛ إنه تدخلا صريحاً في تحديد مآلات الصراع. مصر ترى أن سقوط الجيش السوداني يمثل تهديد مباشر للأمنها القومي، وتتعامل مع البرهان باعتباره السد الأخير قبل انفتاح حدودها الجنوبية على وضع لا يمكن التنبؤ به. لكن الخطورة هنا أن مصر، في سعيها لحماية أمنها القومي، قد تساهم في إطالة امد الحرب التي تحرق السودان كله، لأن السلاح المصري حين يُضَخ في ساحة انفجرت، لا يعيد الاستقرار بقدر ما يزيد مساحة الدمار. وما يجعل الأمر أكثر اشتعالاً هو أن الخطاب المصري تجاه السودان بات رسالة تنص بعدم السماح بانهيار جيش البرهان مهما كان الثمن، وهذا النوع من الرسائل ليس حيادياً ولا بريئاً، بل يشعل النار على المشهد، ويمد الصراع بطاقة تدميرية تلتهم كل ما تبقى من الدولة. إنها لحظة تُظهر كيف تتحول الجغرافيا إلى لعنة، وكيف يصبح الدعم المصري لطرف ضد الآخر جزءاً من لعبة إقليمية لا تبالي بمن يسقط تحت الأنقاض!

في النهاية، لا يحتاج السودان إلى وسيط جديد ولا إلى جولات حوار تُعقد في مدن العالم وهو تحت القصف الجوي المصري. السودان يحتاج الى قوة توقف الحرب اولا، وتجمّد السلاح، وتقصّ أجنحة المتطرفين، وتعيد الدولة إلى سكّتها قبل أن يصعب جمع أشلائها. فإذا تُركت الأمور على هذا الحال، واستمرت القوى الإقليمية والدولية في إدارة الأزمة بدلاً من حلّها، فإن السودان لن ينهار وحده، لكنه سيجرّ معه كل من يعتقد أنه في مأمن. وربما كان بن سلمان أول من استشعر هذا الخطر، وربما بدأت واشنطن تدرك أن تجاهل المشهد السوداني لم يعد ممكناً بعد زيارة ولي العهد السعودي الي البيت الابيض وما قبله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!