
السفير: عادل إبراهيم مصطفي
في الأنظمة الطبيعية، قد يكون تغيير المسؤولين خطوة نحو تصحيح المسار. أما في الأنظمة التي تعاني أزمة شرعية عميقة، فإن تغيير الوجوه لا يتجاوز غالبًا حدود إعادة ترتيب المشهد داخل بنية مأزومة. ومن هذا المنظور يمكن قراءة القرارات التي أصدرها رئيس وزراء سلطة بورتسودان الانقلابية، د. كامل إدريس، والتي شملت حلَّ مجالس إدارات بعض وحدات وشركات القطاع العام، وإعفاء عدد من المسؤولين من مناصبهم، من بينهم لمياء عبد الغفار، وزيرة شؤون مجلس الوزراء، ومحمد عبد القادر، مستشار رئيس الوزراء للشؤون الإعلامية، وبدر الدين الجعيفري، مستشار رئيس الوزراء للشؤون الدبلوماسية.
وقد برّرت حيثيات هذه القرارات الخطوة بأنها تأتي في إطار «مراجعة شاملة لهيكل العمل داخل السلطة»، بهدف تحقيق قدر أكبر من الفاعلية في تنفيذ السياسات العامة، وإعادة تنظيم بعض المواقع القيادية بما يعزز كفاءة العمل ويطوّر الأداء المؤسسي خلال المرحلة المقبلة.
غير أن هذه التبريرات تبدو أقرب إلى “اللغة الديوانية” المعتادة في مثل هذه القرارات منها إلى توصيف دقيق للواقع. فالأزمة التي يعيشها السودان اليوم ليست أزمة مجالس إدارات أو مناصب تنفيذية، بل أزمة أعمق بكثير، تتصل بجوهر السلطة نفسها وبمشروعيتها السياسية.
فالمشكلة، في حقيقتها، لا تكمن في أسماء أعضاء مجالس الإدارات أو في الوزراء والمستشارين، بل في رأس الهرم ذاته: رئيس وزراء يفتقر إلى السند الشعبي، ويعمل تحت مظلة سلطة انقلابية تعمل على إجهاض مبادئ وأهداف ثورة ديسمبر المجيدة.
ولهذا، فإن تغيير مجالس الإدارات أو إعفاء الوزراء والمستشارين لن يغيّر شيئًا في المعادلة. فمن جاء إلى السلطة بلا شرعية شعبية لن ينتج، في الغالب، إلا نماذج مشابهة، وربما أسوأ منها. فالمشكلة ليست في «من تمت إقالتهم»، بل في من عيّنهم ابتداءً.
والمفارقة الأبرز أن السلطة الانقلابية، التي تمثل أصل الأزمة، باتت تتحدث اليوم عن الكفاءة المؤسسية وضبط الأداء وتنفيذ السياسات. فأي كفاءة يمكن أن تتحدث عنها سلطة قادت البلاد إلى الحرب، وأسهمت في تفكيك مؤسسات الدولة، وأجهضت مسار الانتقال المدني، ثم عادت لتتقمص دور «الرقيب» على حكومة هي نفسها من صنعتها؟
وتزداد هذه المفارقة وضوحًا إذا وُضع هذا الحراك الإداري في سياقه الدولي الأوسع. فقد أعلنت الخارجية الأمريكية مؤخرًا إدراج الحركة الإسلامية – الحاضنة السياسية لسلطة الأمر الواقع – على قائمة التنظيمات الإرهابية، متهمةً إياها باستخدام العنف ضد المدنيين وعرقلة جهود إنهاء الحرب. وفي ظل هذا التطور، تبدو قرارات إعادة ترتيب المناصب داخل سلطة بورتسودان أشبه بمحاولة لإدارة الوقت الضائع في مباراة سياسية شارفت على نهايتها؛ إذ تنشغل السلطة بتبديل اللاعبين، وهي أصلًا بلا شرعية داخليًا ويضيق عليها الخناق على المستوى الخارجي.
أما وزيرة شؤون مجلس الوزراء التي شملها قرار الإعفاء، فلا تبدو سوى ضحية لرئاسة وزارة تفتقر إلى رؤية واضحة وبرنامج محدد وآليات مساءلة حقيقية. فالمشكلة لم تكن في شخص الوزيرة وحده، بل في واقع تتحول فيه القرارات إلى حبر على ورق، ليس فقط بسبب ضعف الأداء الفردي، بل لأن الدولة نفسها باتت عاجزة ولا هيبة لها.
ولذلك يبدو الحديث عن كفاءة العمل وتطوير الأداء المؤسسي محاولة بائسة لتجميل واجهة نظام مأزوم. فالسودان لا يحتاج إلى تبديل وجوه الوزراء والمستشارين بقدر ما يحتاج إلى تغيير كامل في منطق الحكم.
إن ما يحتاجه السودان حقًا هو سلطة مدنية شرعية، نابعة من إرادة الشعب، قادرة على استعادة مسار الانتقال الديمقراطي وبناء مؤسسات دولة محترمة وفاعلة. أما الاكتفاء بإعادة ترتيب الكراسي داخل بنية سلطة مأزومة، فلن يكون أكثر من محاولة لإعادة ترتيب الأثاث فوق سطح سفينة تتجه نحو الغرق.
خلاصة القول: الأزمة ليست في الأشخاص الذين غادروا مناصبهم، بل في النظام الذي أتى بهم. وربما لهذا تبدو هذه القرارات أقرب إلى تبديل لاعبين في الوقت الإضافي، بلغة كرة القدم، لمباراة حُسمت نتيجتها منذ زمن؛ فالمشكلة لم تكن يومًا في أسماء الجالسين على المقاعد، بل في طبيعة اللعبة نفسها، وفي سلطة ما تزال تحاول أن تلعب في الزمن الإضافي للتاريخ.




