رأي

تفاهة البرهان وسقوط الواجهة 

دكتور خالد تارس

 

دكتور خالد تارس

ما قاله عثمان كبر عن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان كان لحظة انكشاف وليس دعاية لمعرفة صاحب القرار الحقيقي. ففي عالم السياسة كثيراً ما تُخفى الحقائق خلف الكلمات والصور المزيفة للقيادة، لكن عندما يتحدث رجال التنظيم من الداخل فإن كلماتهم تتحول إلى شهادة دامغة لا يمكن تجاهلها. وما قاله رئيس شورى الحركة الإسلامية عثمان كبر كان نقداً فضحاً لشخصية عسكرية ظلت تتلبد خلف ثوب القيادة بينما هي في الحقيقة مجرد ظل باهت لسلطة أخرى يعلمها القاصي والداني.

لقد وصف عثمان كبر قائد جيش الكيزان بطريقة لا تحتمل التأويل ولا الشكوك. لم يتحدث عن قائد قوي أو رجل دولة يخطئ ويصيب، بل رسم صورة للبرهان أشبه بالحارس الذي يقف على عتبات البوابة ، يفتح الباب ويغلقه لمن همّ بالداخل من العناصر الإخوانية، كبر ذهب أبعد من ذلك عندما أطلق السخرية على مكانة البرهان ، حيث قال مكانه الحقيقي ليس داخل الغرف التي تُصنع القرارات وإنما خارج الأبواب تماماً، وهي إهانة سياسية بالغة لرجل يدعي انه قائد الجيش والمسيطر على القرارات بداخله، لكن كلمات كبر والتي جرى تداولها في سياق التسريبات كشفت عن حقيقة حاولت الدعاية الرسمية اخفاءها بعد حرب الخامس عشر من أبريل، وأن الرجل الذي كان يُقدم للعالم بوصفه قائد الجيش هو واجهة باهتة لتنظيم لا يزال يدير المشهد من خلف الستار.!

إن التفاهة التي اتسمت بها شخصية البرهان وتحدث عنها عثمان كبر لا تتعلق بالشخصية وإنما تتعلق بطريقة ممارسة السلطة. فالقائد الحقيقي لا يتحدث ليلاً بشيء ثم يعتذر عنه صباحاً، ولا يبرر مواقفه بالضغوط الخارجية كلما وجد نفسه في مأزقاً. لكن الرواية التي سخر منها كبر تكشف عن نمط غريب من النفاق السياسي والتضليل، هذا النمط أتاح للبرهان ان يصرح ضد الحركة الإسلامية في الليل، ويتراجع عن تصريحاته في الصباح بحجة امتصاص الضغوط الأمريكية وارباك (المشهد). وكأنه أضحى مجرد لسانا يتكلم بما تمليه عليه اللحظة، وهو صورة مختلطة تكشف عن شخصية عسكرية بلا عمق ولا ثبات، شخصية تتأرجح بين خطاب يُقال لإرضاء المجتمع الدولي، وآخر يُقال لإرضاء التنظيم الذي يمسك فعلياً بخيوط اللعبة. وفي الحالتين يضيع ما تبقى من هيبة عسكرية يمكن أن تشكل شخصية القائد العام.!

الأمر الأكثر إثارة للسخرية أن البرهان وطوال الخمسة سنوات الماضية يحاول تقديم نفسه باعتباره الرجل الذي يمسك بمقاليد الجيش ويمتلك زمام المبادرة في إدارة المؤسسة العسكرية لكن تسريب عثمان كبر يمثل صفعة سياسية مدوية على هذه الرواية. وعندما يخرج رئيس شورى الحركة الإسلامية ليقول إن البرهان ليس له قيمة وأنه مجرد حارس بوابة ينتظر في الخارج، فإن ذلك يعني أن المسرحية كلها كانت قائمة على واجهة مصنوعة بعناية، بينما القرار الحقيقي كان يُصاغ في غرف تنظيمية (مغلقة) لا يدخلها البرهان نفسه.

إن أخطر ما في حديث كبر أنه لم يكن موجهاً للجمهور العام بقدر ما كان حديثاً داخلياً يمكن وصفه بحديث كشف الساقين على التنظيم الاسلاموي، هذا ما يجعل التسريب قاسياً على شخصية عبد الفتاح البرهان الذي كان يتبجح لفترة طويلة بعدم وجود إسلاميين داخل الجيش، وفي ذات اللحظة يسقط القناع ويبقى الوجه مكشوفاً ليتحدث أهل التنظيم الاخواني عن واقعهم المزيف بلا مجاملات. وهكذا يظهر شكل البرهان في تلك الرواية كموظف سياسي في منظومة ايديولوجية وليس قائداً لجيش مهني، ويتقدم هذا الجنرال إلى الواجهة كلما احتاج التنظيم إلى وجه رسمي، ثم يتراجع إلى الخلف كلما حان وقت القرار الحقيقي.!

إن مأساة السودان في هذه اللحظة لا تكمن في صراع القوى المسلحة أو الانقسامات السياسية العميقة لكن في هذه المعادلة المختلة للسلطة التي تقوم على واجهة هشة تدعي القيادة وقوى أخرى تتمسك بخيوط اللعبة من وراء الستار. وعندما تصبح الدولة رهينة لهذه الازدواجية، يتحول قائد الجيش إلى صورة باهتة، ويتحول القرار إلى سلعة تتداولها مراكز النفوذ الخفية.

ان الكلمات التي أفشاها كبر كانت اعترافاً غير مقصود بحقيقة أن الرجل الذي يجلس على رأس المؤسسة العسكرية هو في الحقيقة اسم على رأس القائمة، بينما يكتب آخرون سطور القرار الحقيقي. وهنا تتجلى المفارقة ان القائد الذي يفترض أن يقود جيشه هو في نظر حلفائه حارس الباب. وفي السياسة، عندما يصل القائد إلى هذه المرتبة الرمزية الهامشية، فإن السلطة نفسها تتحول إلى مسرح (عبثي) تتبدل فيه الوجوه ويبقى القرار أسيراً لمن يقفون خلف الكواليس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!